في اتجاه إصلاحي للوزارة لتجديد الخطاب الديني وتأصيله

“الأوقاف” تضع أصبعها على جرح “ضياع الأمانة” في الوظائف الحكومية في اتجاه إصلاحي للوزارة لتجديد الخطاب الديني وتأصيله

أطباء يخونون الأمانة بإعطاء تقارير مرضية غير صحيحة لموظفين مقصرين

كتب – عبدالرحمن الشمري :

دخلت وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية في اتجاه اصلاحي جديد تضمنه خطابها الديني في خطبة الجمعة التي عممت على مساجد الكويت يوم غد تحت عنوان “امانة الوظيفة” من اجل تصحيح السلوكيات الاجتماعية والمالية والادارية التي يملؤها الفساد والتجاوزات في معظم وزارات الدولة.
وتطرقت خطبة الجمعة المعممة الى صور ضياع الامانة في جوانب من العاملين بوزارات الدولة شملت الاعذار الطبية التي يسهلها بعض الاطباء للمتمارضين وعقود المقاولات والاشغال العامة التي لاتفي بالشروط والمواصفات والتي تستخدم بها الرشوة والهدية لتسهيل هذه الصفقات والمعاملات.
كما شددت الخطبة على اهمية الا يُسْنَدُ مَنْصِبٌ الَّا لِصَاحِبِهِ الْحَقِيقِي, وَلَا تشغل وَظِيفَةٌ الَّا بِالرَّجُلِ الكفء المؤهل, بلا اعْتِبَارَ لِلْمُجَامَلَاتِ وَالْمَحْسُوبِيَّاتِ.
وشددت الخطبة في مستهلها على ان الْاسْلَامُ يَرْقُبُ مِنْ مُعْتَنِقِهِ انْ يَكُونَ ذَا ضَمِيرٍ حَيٍّ, تُصَانُ بِهِ حُقُوقُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحُقُوقُ النَّاسِ, وَمِنْ ثَمَّ اوَجْبَ عَلَى الْمُسْلِم انْ يَكُونَ امِينًا.وَالْامَانَةُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ: صِفَةٌ وَاسِعَةُ الدَّلَالَةِ, وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ شَتَّى, هِيَ بِايجَازٍ: شُعُورُ الْمَرْءِ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ فِي كُلِّ امْرٍ يُوكَلُ الَيْهِ.
مشيرة الى ان بَعْضُ النَّاسِ يُقْصِرُونَ فَهْمَ الْامَانَةِ فِي اضْيَقِ مَعَانِيهَا, وَهُوَ حِفْظُ الْوَدَائِعِ, وَحَقِيقَتُهَا فِي دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ اضْخَمُ وَاجَلُّ.انَّ الْامَانَةَ هِيَ الْفَريِضَةُ الَّتِي يَتَوَاصَى الْمُسْلِمُونَ بِرِعَايَتِهَا, وَيَسْتَعِينُونَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى حِفْظِهَا.

أمانة التوظيف
وذكرت ان من مَعَانِي الْامَانَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي الْمَكَانِ الْجَدِيرِ بِهِ وَاللَّائِقِ لَهُ, فَلَا يُسْنَدُ مَنْصِبٌ الَّا لِصَاحِبِهِ الْحَقِيقِ بِهِ, وَلَا تُمْلَا وَظِيفَةٌ الَّا بِالرَّجُلِ الَّذِي تَرْفَعُهُ كِفَايَتُهُ الَيْهَا فلا اعتبار للمجاملات والمحسوبيات حتى الصحبة لا ينظر اليها.
ولفتت الى انَّ الْكِفَايَةَ الْعِلْمِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّةَ لَازَمةٌ لِصَلَاحِ الْمَرْءِ لِحَمْلِ الْامَانَةِ ; فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَسَنَ السِّيرَةِ حَسَنَ الْايمَانِ, لِكَنَّهُ لَيْسَ اهْلا لِلْمَنْصِبِ.
فَالْامَانَةُ تَعْنِي انْ نَخْتَارَ لِلْاعْمَالِ احْسَنَ النَّاسِ قِيَاما بِهَا, فَاذَا مِلْنَا عَنْهُ الَى غَيْرِهِ لِهَوىً اوْ رِشْوَةٍ اوْ قَرَابَةٍ, فَقَدِ ارْتَكَبْنَا بِتَنْحِيَةِ الْقَادِرِ وَتَوْلِيَةِ الْعَاجِزِ خِيَانَةً فَادِحَةً.
وَمِنْ مَعَانِي الْامَانَةِ انْ يَحِرْصَ الْمَرْءُ عَلَى ادَاءِ وَاجِبِهِ كَامِلا فِي الْعَمَلِ الْمَنُوطِ بِهِ, وَانْ يُحْسِنَ فِيهِ تَمَامَ الْاحْسَانِ, وَالْاتْقَانِ وِانْ يُخْلِصَ الرَّجُلُ لِعَمَلِهِ وَيُعْنَى بِاجَادَتِهِ, وَيَسْهَرَ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ الَّتِي وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ, وَاسْتِهَانَةُ الْفَرْدِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ هُوَ مِنِ اسْتِشْرَاءِ الْفَسَادِ فِي كِيَانِ الْامَّةِ وَسَبَبٌ لِتَدَاعِيهِ.
واضافت ان َخِيَانَةُ الْوَاجِبَاتِ تَتَفَاوَتُ اثْمًا وَنُكْرا, وَاشَدُّهَا شَنَاعَةً مَا اصَابَ الدِّينَ وَجُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ, وَتَعَرَّضَتِ الْبِلَادُ لِاذَاهُ,ْ لَيْسَ اعْظَمُ خِيَانَةً وَلَا اسْوَأ عَاقِبَةً مِنْ رَجُلٍ تَوَلَّى امُورَ النَّاسِ فَنَامُ عَنْهَا حَتَّى اضَاعَهَا .
وَمِنْ مَعَانِي الْامَانَةِ ايْضا: الَّا يَسْتَغِلُّ الرَّجُلُ مَنْصِبَهُ الَّذِي عُيِّنَ فِيهِ لِجَرِّ مَنْفَعَةٍ الَى شَخْصِهِ اوْ قَرَابَتِهِ; فَانَّ التَّشَبُّعَ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ جَرِيمَة.
امَّا الَّذِي يَلْتَزِمُ حُدُودَ اللهِ فِي وَظِيفَتِهِ, وَيانَفُ مِنْ خِيَانَةِ الْوَاجِبِ الَّذِي طَوَّقَهُ, فَهُوَ عِنْدَ اللهِ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ لِنُصْرَةِ دِينِهِ وَاعْلَاءِ كَلِمَتِهِ وَقَدْ شَدَّدَ الْاسْلَامُ فِي ضَرُورَةِ التَّعَفُّفِ عَنِ اسْتِغْلَالِ الْمَنْصِبِ, وَشَدَّدَ فِي رَفْضِ الْمَكَاسِبِ الْمَشْبُوهَةِ.
وَمِنَ الْامَانَةِ الْعَظِيمَةِ الْحِفَاظُ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ, فَالْمَالُ الْعَامُّ حُرْمَتُهُ كَبِيرَةٌ, وَحِمَايَتُهُ عَظِيمَةٌ; بِمُوجِبِ الشَّرْعِ الْحَنِيفِ, وَهُوَ اشَدُّ فِي حُرْمَتِهِ مِنَ الْمَالِ الْخَاص, لِكَثْرَةِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ, وَتَعَدُّدِ الذِّمَمِ الْمَالِكَةِ لَهُ, وَقَدْ انْزَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَةَ مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي تَجِبُ رِعَايَتُهُ وَتَنْمِيَتُهُ, وَحُرْمَةُ اخْذِهِ وَالتَّفْرِيطِ فِيهِ عِنْدَمَا قَالَ: “انِّي انْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللهِ مَنْزِلَةَ مَالِ الْيَتِيمِ”.

اختلاس المال العام
وَمِنْ صُوَرِ ضَيَاعِ الْامَانَةِ فِي الْمَالِ الْعَامِّ: الْاخْذُ وَالْاخْتِلَاسُ مِنْ هَذِهِ الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ, وَالْاسْتِفَادَةُ مِنْهَا فِي الْمُنَاقَصَاتِ وَغَيْرِهَا دُونَ وَجْهِ حَقٍّ, وَقَدْ حَذَّرَ الدِّينُ الْحَنِيفُ مِنْ هَذَا الْامْرِ.
وَمِنْ صُوَرِ ضَيَاعِ الْامَانَةِ فِي الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ وَالْمَالِ الْعَامِّ: الْغِشُّ, وَاكْثَرُ مَا يَكُونُ هَذَا فِي تَنْفِيذِ الْعُقُودِ; فَبَعْضُ الشَّرِكَاتِ الَّتِي تَقُومُ بِتَنْفِيذِ عُقُودِ الْمُقَاوَلَاتِ وَالْاشْغَالِ الْعَامَّةِ; كَالطُّرُقَاتِ وَالْمَبَانِي وَالسُّدُودِ وَغَيْرِهَا لَا تَفِي بِالشُّرُوطِ وَالْمُوَاصَفَاتِ الَّتِي يَتِمُّ الْاتِّفَاقُ عَلَيْهَا, ثُمَّ تَاتِي مُنَاقَصَةٌ اخْرَى لِنَفْسِ الْمَشْرُوعِ لِاصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنْهُ, وَتُسْتَخْدَمُ الرِّشْوَةُ اوِ الْهَدِيَّةُ, اوْ ايِّ مُسَمى اخَرَ, وَسِيَلَةً لِتَسْهِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الصَّفَقَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ, فَتَضِيعُ وَتُهْدَرُ امْوَالٌ وَحُقُوقٌ, وَرُبَّمَا تَعَرَّضَ الْمُجْتَمَعُ لِلْخَطَرِ; فَالسَّدُّ الَّذِي لَمْ يُبْنَ بِالْمُوَاصَفَاتِ الصَّحِيحَةِ رُبَّمَا اغْرَقَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ, وَالْمَدْرَسَةُ رُبَّمَا سَقَطَ سَقْفُهَا عَلَى ابَنَائِنَا, وَافْلَاذِ اكْبَادِنَا, وَالطَّرِيقُ رُبَّمَا ازْهِقَتْ بِسَبَبِهِ ارْوَاحٌ, وَاتْلِفَتْ امْوَالٌ, وَغَيْرُ ذَلِكَ.

الكذب بالمرضيات
واشارت الخطبة الى احْوَالٌ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الْعَمَلِ وَقَعَ فِيهَا بَعْضٌ مِنَ الْمُوَظَّفِينَ ومن اهَمَّهَا التَّاخُّرُ عَنِ الدَّوَامِ اوْ الانْصِرَافُ قَبْلَ نِهَايَتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ, وَبَعْضُهُمْ رُبَّمَا اتَى مُتَاخِّرا ثُمَّ يُوَقِّعُ عَلَى انَّهُ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّاخُّرِ وَالْكَذِبِ وَاكْلِ الْحَرَام.
وذكرت انَّ الْمَوُظَّفَ الَّذِي لَا يَرْضَى انْ تُنْقِصَ الدَّوْلَةُ مِنْ رَاتِبِهِ شَيْئا, فَكَذَلِكَ يَجِبُ الَّا يُنْقِصَ مِنْ حَقِّ الدَّوْلَةِ شَيْئا, فَلَا يَجُوزُ لِلْانْسَانِ انْ يَتَاخَّرَ عَنِ الدَّوَامِ الرَّسْمِيِّ وَلَا انْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ انْتِهَائِهِ.وَاشَدُّ مِنْ هَذَا انْ يَتْرُكَ الدَّوَامَ يَوْما اوْ اكَثْرَ ثُمَّ يَاتِي بِاجَازَةٍ مَرَضِيَّةٍ مَكْذُوبَةٍ لِكَيْ لَا يُخْصَمَ مِنْ رَاتِبِهِ شِيْءٌ, فَيَاكُلُ الْحَرَامَ وَيَكْذِبُ فِي انَّهُ مَرِيضٌ, وَالطَّبِيبُ الَّذِي وَقَّعَ لَهُ كَاذِبٌ اثِمٌ مُعِينٌ لَهُ عَلَى الْكَذِبِ وَاخْذِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ, ثُمَّ اذَا جَاءَ اخَرُ الشَّهْرِ اخَذَ رَاتِبَهُ كَامِلا.
وشددت على اهمية ان يتقي الله الْاطِبَّاءُ الَّذِينَ يُعِينُونَ هَؤُلَاءِ الْمُوَظَّفِينَ الْمُقَصِّرِينَ عَلَى تَقْصِيرِهِمْ, فَيَكْتُبُونَ لَهُمُ الْاعْذَارَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ انَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ, فَيَكُونُونَ سَبَبا فِي اهْمَالِ الْمُوَظَّفِينَ وَتَقْصِيرِهِمْ وَاكْلِ امْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
وَمِنَ التَّقْصِيرِ فيِ امَانَةِ الْعَمَلِ: اسْتِعْمَالُ بَعْضِ الْمَوَظَّفِينَ ادَوَاتِ الْجِهَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا لَاغْرَاضِهِ الشَّخْصِيَّةِ خُصُوصا الدَّوائِرَ الْحُكُومِيَّةَ بِحُجَّةِ انَّ الدَّوْلَةَ فِي غِنًى عَنْهَا, فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: امْوَالُ الدَّوْلَةِ الَّتِي انْتَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا سَتُسْالُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَاعِدَّ لِلسُّؤَالِ جَوَابا; فَاسْتِخْدَامُ الَةِ التَّصْوِيرِ الْخَاصَّةِ بِالْعَمَلِ لَا يَكُونُ الَّا لِمَصْلَحَةِ الْعَمَلِ.
وَمَنْ اخَذَ شَيْئا لَا يَحِقُّ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْحُكُومِيَّةِ فَانَّهُ مِنَ الْغُلُولِ الَّذِي يَاتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة.
واوضحت انَّ الْمُوَظَّفَ اذَا قَامَ بِادَاءِ عَمَلِهِ بِجِدٍّ يَرْجُو ثَوَابَ اللهِ ابْرَا ذِمَّتَهُ, وَاسْتَحَقَّ الْاجْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا, ثُمَّ اذَا احْتَسَبَ الْاجْرَ عِنْدَ اللهِ ظَفِرَ بِالثَّوَابِ فِي الدَّارِ الْاخِرَةِ.
وختمت الخطبة بان هَذَا الدِّينَ لَيْسَ خَاصا بِالصَّلَوَاتِ وَالْعِبَادَاتِ فَقَطْ; بَلْ هُوَ دِينٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ شُؤُونِ الْحَيَاةِ, يُنَظِّمُهَا: قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا; فَانَّا خُلِقْنَا لِعِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَنَقُومُ بِمَا اوْجَبَ اللهُ عَلَيْنَا, فَالْامَانَةُ شَامِلَةٌ لِعِبَادَاتِنَا وَمُعَامَلَاتِنَا وَعَلَاقَاتِنَا الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ, وَشُؤُونِ حَيَاتِنَا: اقْتِصَادا وَامْنا وَتَعْلِيما وَتَخْطِيطا وَتَنْظِيما لِشُؤُونِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهَا. امَانَةٌ فِي اعْنَاقِ الْجَمِيعِ, فَلْيَتَّقِ الْعَبْدُ رَبَّهُ فِيمَا يَأتي وَيَذَرُ.