الإجهاد أفضل أحياناً من الراحة المفرطة

0

ترجمة أحمد عبد العزيز:

تخيل أنك تركب « آلة الزمن « الخيالية التي عرفناها من أفلام الخيال العلمي وعادت بك عشرين عاما إلى الوراء. إنه العام 1998 وسوف تكتشف عدم وجود هواتف ذكية، ولا رسائل نصية، ووسيلة حصولك على الأخبار هي في الغالب من خلال الصحف، كما ستتنبه إلى أن «غوغل «لم يظهر إلى الوجود.

كيف ستفعل؟
بالنسبة لنا نحن كبار السن، لا يزال بإمكاننا تذكر العالم من دون الإنترنت.
والحقيقة أن الانترنت قد ذاع وانتشر بحيث يصعب تصور الحياة من دونه.
وإذا كنت تشك في صحة هذا الادعاء، أدعوك إلى أن تقضي أسبوعا من دون أي اتصال بالإنترنت او استخدام لهاتفك الذكي. وحتى إذا غالبت نفسك وفعلت ذلك، فلن يمر وقت طويل قبل أن يتمكن زملاؤك في العمل، وأصدقاؤك وأفراد عائلتك من توصيل مشاعر الألم، فهم غير قادرين على إرسال البريد إلكتروني إليك، ولن يتمكنوا من متابعتك على «الفيس بوك « أو الوصول إليك عبر تطبيق «واتساب «.
وفقا لدراسة مطولة أجرتها جامعة كونيكتكت، ازداد اعتياد الناس على الراحة المفرطة فعلى سبي المثال، كان 25 في المئة فقط من المشاركين في الدراسة قد شعروا بالحاجة إلى تركيب تكييف الهواء في منازلهم في العام 1970، لكن هذا العدد قد تضاعف بحلول منتصف التسعينات.
ومع ازدياد الهوس بالتكنولوجيا تحاول الأسواق الحصول على ميزة تنافسية من خلال تزويد العملاء بتجربة المنتجات التي تحقق أعلى مستويات الراحة، ومع مرور كل عام جديد تتسع رقعة وسائل الراحة، ولم يعد الأفراد يشبعون منها.
إن فكرتنا عن مكونات الرفاهية قد تغيرت معاييرها بصورة تثير الدهشة، فالفخامة القديمة المبالغ بها أصبحت المعيار الجديد. وأصبح الإسراف القديم من ضرورات الحياة. فما الضرر في أن تصبح حياتنا أكثر راحة؟ ألا يجب علينا جميعا أن نكون أكثر سعادة وارتياحاً؟ لكن الحقيقة تبدو عكس ذلك تماماً.

مخاطر إدمان الراحة:
كتب الباحثان تود كاشدان وروبرت بيسواسدينر، مؤلفا كتاب «الأفق الأعلى لجانبك المظلم»: في حين اختار الناس اللذة وفضلوها على الألم، فإن العصر الحديث قد خطا بنا شوطاً أطول في هذا السياق، بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية. فنحن لا نستمتع فقط بوسائل الراحة الخاصة بنا، بل أصبحنا مدمنين عليها.
لم نعد نريد المزيد من الراحة، بل أصبحنا في حاجة لها ونركن إليها.
لقد أصبحت التكنولوجيا أكثر ذكاءً من الإنسان، وقد أنجزت المهام التي كانت مخصصة حصريًا ولا ينفذها سوى الإنسان.
على سبيل المثال، ما عدد أرقام هواتف أصدقائك وعائلتك التي تحفظها في ذاكرتك؟
ولماذا أجهد ذهني وهاتفي الذكي يؤدي هذا العمل نيابة عني؟
وليس علينا أن نتذكر أعياد الميلاد لأحبائنا وأصدقائنا، لأن «الفيس بوك « يرسل لنا تذكيرًا بها في الوقت المناسب. ولن نضطر مرة أخرى إلى رسم خريطة لكي نصل إلى مكان معين فأنظمة GPS الحديثة ( أنظمة تحديد المواضع العالمية) تضمن أننا لن نتوه أو نضل طريقنا.
لقد تم إسناد المزيد والمزيد من قدراتنا العقلية إلى أجهزة الكمبيوتر، ما يسلبنا الخبرة اللازمة لتطوير وتدريب هذه المهارات والقدرات لأنفسنا وبأنفسنا.
ولكن الأمرالأكثر إزعاجاً بكثير من الانهيار الجماعي لقدراتنا في التذكر، هو عدم تسامحنا المتزايد وعدم تحملنا لعدم الراحة نفسها.
في حين أننا نعيد تعريف وتحديد ما يعنيه أن تكون مرتاحًا، فإننا أيضًا نوسع المساحة التي نشعر فيها بعدم الارتياح.
وبعبارة أخرى، كلما اعتدنا على المزيد من الراحة، كلما شعرنا بالانزعاج بسبب عدم الارتياح.
قيمة الانزعاج:
في دراسة أجريت في جامعة بيركلي، تبين أن الإجهاد المعتدل يعزز العلاقات بين الخلايا العصبية، ما يؤدي إلى تحسين الانتباه وجودة أداء الذاكرة.
و رغم أن الإجهاد المزمن يمكن أن يؤثر سلبًا على الحمل، فقد وجدت دراسة صادرة عن جامعة جونز هوبكنز أن الأطفال الذين يولدون لنساء عانين من مستويات معتدلة من الإجهاد أثناء الحمل لديهم مهارات متطورة أكثر تقدمًا في سن الثانية، مقارنةً بالأطفال من الأمهات غير المتوترات.
وثبت أن الضغوط تعزز أجهزتنا المناعية، ما يجعلنا أفضل استعدادا للتصدي للأمراض والعدوى.
كل هذه الدراسات حول الإجهاد تشير إلى نتيجة واحدة: هي أن هناك قيمة حقيقية في الضغوط، وننصحك بالاستفادة منها!
ومثلما نحتاج إلى الإجهاد البدني لتنمية عضلاتنا، كذلك نحتاج إلى الإجهاد الذهني لكي تنمو عقولنا.
إن الإجهاد الذهني المتمثل في المشاركة في المناقشات العقلانية سيؤدي إلى تحسين مستواك في التفكير النقدي. والإجهاد الإبداعي في تأليف مقطوعة موسيقية سيحسن من إحساسك بالقافية والإيقاع. وسوف تساعدك الضغوط العاطفية المتمثلة في انكسار القلب على أن تصبح حبيبًا أكثر حكمة وأفضل رؤية.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة × 4 =