الإضراب عن الزواج… مرض العصر لبنان في المقدمة تليه الإمارات والعراق وسورية وتونس... وفلسطين تحظى بالنسبة الأقل

0 199

القاهرة- رحاب أبو القاسم:

“أنا مضرب، مضربة عن الزواج”، جملة نسمعها كثيرًا بين من هم في سن الزواج في مجتمعاتنا العربية، حتى أصبحت موضة، ولا يقتصر الأمر على هذه الكلمات التي يرددها الشباب، وقد أكدت دراسة إحصائية كشفت عنها إذاعة هولندية منذ سنوات عن تأخر الزواج فى البلاد العربية، وأن نسبة الفتيات اللاتي وصلن الى عمر 30 عاما ولم يتزوجن ارتفع بنسب مخيفة، ففي لبنان بلغت النسبة نحو 85 في المئة، تليها الإمارات العربية المتحدة بنسبة 75 في المئة، أما المركز الثالث فكان من نصيب العراق وسورية بـ 70 في المئة، بينما احتلت تونس المركز الرابع بنسبة 62 في المئة، تلتها الجزائر(51 في المئة)، أما المركز السادس فكان من نصيب المملكة السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية(45 في المئة)، كما تساوت النسبة 40 في المئة بين مصر والمغرب في المركز السابع، أما المركز الثامن فتساوت فيه قطر والكويت وليبيا (35 في المئة)، في المركز التاسع جاءت اليمن (30 في المئة)، بينما كانت البحرين في المركز العاشر(25 في المئة)، أما أقل الدول العربية فكانت فلسطين بنسبة سبعة في المئة فقط.
عن أسباب الظاهرة، وخطورتها الاجتماعية، والنفسية، والدينية، وآثارها السلبية في السنوات المقبلة، وكيفية مواجهتها، أجرت “السياسة”، هذا التحقيق مع عدد من المتخصصين.

خبيرة علم اجتماع : أهم الأسباب زيادة معدلات الانفصال والخوف من تحمل المسؤولية وفقدان الثقة بالنفس

مدربة التنمية البشرية، خبيرة العلاقات الأسرية مريم عثمان قالت: “فكرة الإضراب عن الزواج نسبية إلى حد كبير، فلا توجد قاعدة بعينها، لأن قيمة الزواج تختلف من شخص لآخر حسب اهتماماته وأولوياته في الحياة، علاوة على اختلاف أسباب انتشارها”.
اضافت: “هناك توجد شخصيات لا تبالي بفكرة الزواج، وأخرى لديها عقدة نفسية من فكرة الزواج، التي يكون مصدرها الأهل والأقارب، حيث تكون العلاقات الزوجية في دائرة الأقارب مشوهة إلى حد كبير، بالتالي تؤثر سلبا على حياة من يحيطون بهم، في الغالب لا يريدون تكرار المأساة نفسها التي عايشوها معهم. كما يوجد من يرفض فكرة الزواج ويُضرب عنها هربًا من تحمل المسؤولية، الابتعاد عن أي التزامات أو أعباء بسبب هذه العلاقة، إلى حد كبير أصبحت فكرة الإضراب عن الزواج مؤخرًا مرض العصر”.
هذه الفكرة تعد بمثابة مفهوم خاطئ ترسب في الذهن خوفا من الزواج، حيث يتخيل صاحبها أنها سوف تمنعه من الاستمتاع بما يحب، وتقلل من حريته الشخصية التي يعيشها قبل الزواج، بينما يوجد من يعيش منتظرًا شريك العمر يتميز بصفات ليست واقعية على الإطلاق، فيصطدم بالواقع، وتمر السنوات في انتظار تحقيق الحلم، حتى يصل إلى فكرة الإضراب نهائيا.
وقالت: “يجب على مثل هذا الشخص أن يتقبل الواقع والإقلال من سقف التوقعات اللا محدودة وغير الواقعية”. لافتة إلى أن “لكي يتم الحد من هذه الظاهرة، يجب عقد جلسات توعية لهؤلاء الشباب ليعرفوا ما لهم وما عليهم عند الزواج، بالتالي تتحسن الصورة الذهنية لديهم عن الحياة الزوجية، كما يساعد ذلك على تغيير المفاهيم الخاطئة الموجودة في أذهانهم عن الارتباط الزوجي”.

فقدان الثقة
توضح اختصاصية علم النفس الاجتماعي سوسن فايد “أن الظروف المادية الصعبة التي يعشيها الشباب في أغلب البلدان العربية، ومتطلبات الزواج التي تفوق إمكانياتهم، تجعلهم يشعرون بالعجز أمامها، لذلك تعد من أهم أسباب إضرابهم عن الزواج، كما أن البعض يخاف من تحمل المسؤولية وعدم قدرته على حل المشكلات التي يمكن المرور بها في الحياة الزوجية، أيضا هناك الانطباع السلبي الذي يتركه الأصدقاء الذين مروا بالتجربة ووقوعهم في المشكلات الزوجية يجعل إقدام الشباب على هذه الخطوة أمرًا صعبًا أو مستحيلا عند البعض”. وقالت: “إن انهماك الشباب والفتيات بالعمل والدراسة يؤخر فكرة الزواج إلى حد كبير، كما أن فقدان الثقة بالنفس أو ضعفها عند بعض الشباب، وعدم قدرتهم على إقناع الفتيات بقبولهم شركاء حياة لهن، تعد من أهم هذه الأسباب التي تجعلهم في حاجة حقيقية إلى جلسات نفسية لزيادة الثقة بأنفسهم، والعكس صحيح بالنسبة للفتيات”.

لقب مطلق
استشارية الطب النفسي الدكتورة هالة حماد قالت: “تربينا في مجتمعاتنا الشرقية على أن الزواج فكرة مقدسة، وأنه المصير الحتمي لكل شاب وفتاة، تلك الفكرة ترسخت في أذهان الفتيات بخاصة منذ نعومة أظافرهن، اذ تعيش فترة طفولتها ومراهقتها تنتظر فارس أحلامها على الحصان الأبيض، لكن هذه الأفكار تغيرت في السنوات الأخيرة، إذ أصبحت الفتاة تتعلم وتصل في دراستها إلى أعلى المستويات، لتنتقل إلى مجال العمل وتصل إلى أعلى المراتب العلمية والعملية، بالتالي تغير لديها مفهوم الزواج، لم يعد أمرا حتميا للسعادة، كما تغيرت أولوياتها، أيضا لم تعد تخيفها فكرة عدم الزواج أو الحصول على لقب “عانس”، في مقابل تحقيق أحلامها وطموحها، بل أصبحت تضع شروطا لاختيار شريك الحياة ولا تحيد عنها حتى لا تخسر ما بنته في مشوار حياتها العملي، وحتى لا تحصل أيضا على لقب “مطلقة “، الذي زاد بشكل كبير في السنوات الأخيرة ، فالجميع يهرب من الحصول على هذا اللقب، فتيات وشباب”.
اضافت: “بسبب زيادة نسبة معدلات الطلاق، أصبح الزواج ليس من أولويات الحياة للكثير من الشباب والفتيات، حتى لا تتكرر التجارب الفاشلة التي عاشوها مع الأقرباء والأصدقاء، لافتة إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في نشر المشكلات الزوجية والتجارب الفاشلة التي يعاني منها الأزواج، كذلك نشر نصائح المتزوجين لغير المتزوجين بعدم الزواج وتحذيرهم من خوض التجربة بالتزاماتها المتعددة، مما كان سببا في الابتعاد، بل والإضراب عن الزواج بكامل الإرادة”. واكدت “تلعب الحياة الأسرية دورًا كبيرًا في تكوين فكر الشباب والفتيات بخاصة في مراحل العمر الأولى وسن المراهقة، لذا قد يكون عزوف الفتاة عن الزواج على سبيل المثال، بسبب سوء معاملة الأب لأمها مما يترك بصمة سيئة لديها، إصابتها بحالة نفسية سيئة تؤدي بها إلى العزوف عن الزواج، لهذا يجب على الآباء مراعاة ذلك في تربية الفتيات، عندما يلاحظوا عليهن فكرة العزوف تلك، عليهم المواجهة وحل مشكلاتهن النفسية بكل الطرق، فالزواج سنة الحياة، والعزوف عنه سيحدث خللا في المجتمع نحن في غنى عنه، إذ سيؤدي إلى تفكك المجتمع، ويقضي على فكرة تعدد وتنوع النسل التي أمر الله بها، يؤدي إلى انقراض الجنس البشري”.

“فوبيا” الزواج
توضح اختصاصية علم النفس إيمان أحمد أن” في السنوات السابقة كان العزوف عن الزواج مرتبط بالشباب، لكن اخيرا انتشرت ظاهرة عزوف الفتيات أيضًا ،هذه ظاهرة غريبة إلى حد كبير على المجتمعات العربية، يمكن تسميته ب “فوبيا الزواج” وليس عزوفا عنه”. مشيرة إلى” أن عزوف الفتيات الآن عن الزواج، رغم رغبتهن الداخلية فيه، قد يكون خوفا من تحمل مسؤولية البيت، الزوج، تربية الأولاد، مما يكشف عن قلة الثقة بالنفس، عدم رغبتها أن يكون هناك من له اليد العليا عليها فيفرض عليها رغباته وتصبح رهن أوامره”.
اضافت: “ما تسمعه الفتاة وتتابعه من خلافات في محيط الأسرة، يجعلها أيضا تبتعد عن هذه الخطوة، علاوة على أن بعض الفتيات لديهن انطباع أن الزواج عبارة عن حياة مليئة بالملل والروتين، وفي المقابل هناك بعض الدراسات التي أكدت أن المرأة عندما تتقدم في العمر وتصل إلى سن معين يتولد لديها فقر عاطفي، كما أن وصول الفتيات لمرحلة الاكتفاء ذاتيًا بدراستها، معاشها، مكانتها الاجتماعية، يؤثر سلبا على احتياجاتها الجسدية والبيولوجية، التي لا يتم إشباعها إلا عن طريق الزواج، لذا يجب العودة إلى المجتمع المتكامل، بالزواج في العمر المناسب، ألا تخاف الفتاة من تحمل المسؤولية، فكما تحملت مسؤولية نفسها ودراستها، تستطيع تحمل مسؤولية عائلتها الصغيرة من زوج وأطفال”.

سنة كونية
يؤكد الداعية الأزهري الشيخ حسين الأرنوطي “أن ظاهرة إضراب بعض الشباب عن الزواج تخالف الشريعة السمحاء، فقد جاء إلى المدينة ثلاثة رهط يسألون عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعن عباداته، فلما ذكرت لهم عباداته (صلى الله عليه وسلم) كأنهم تقالوها”عدوها قليلة”، قال بعضهم لبعض، هذا رسول الله غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما نحن فأرباب ذنوب يعني أصحاب ذنوب ومعاصي ونريد المغفرة.
فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الثاني: وأما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: وأما أنا فاعتزل النساء ولا أتزوج. فلما سمع ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أرسل إليهم وقال لهم أنتم من قلتم كذا؟
قالوا: نعم يا رسول الله، فقال (صلى الله عليه وسلم): أما انا فأتقاكم وأخشاكم لله، وأصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء، فهذه سنتي ومن رغب عن سنتي فليس مني”.
هكذا علمنا رسول الله، وكيف لا وهو الذي كان يمر بالشباب وهم أبناء خمسة عشر عامًا ويقول:” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، أي تكاليف الزواج، فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وقاية وحماية لذلك”.
لافتا إلى” ان الزواج سنة كونية وهدي الأنبياء والمرسلين حتى قبل النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإن الله تعالى يقول: “ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذريةً”، ومما لا شك فيه أن إضراب بعض الشباب عن الزواج يؤثر بالسلب على الأفراد والمجتمعات.

You might also like