بقايا خيال

الإعلان ورقي صراع العمالقة و .. المرور بقايا خيال

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يوسف عبدالكريم الزنكوي

في بداية هذا العام كانت الإعلانات الخارجية تملأ الطرقات من أقصاها إلى أدناها، فما أن تلتفت يمينا أو يسارا إلا وكان إعلان من الإعلانات يعيق رؤيتك، سواء كانت على السوبر يونيبول أو الميغا أو إعلانات الباصات أو غيرها، لدرجة أن الناس كانت تقول وقتها إنه لم يبق سوى أن تعلق هذه الإعلانات على ظهور الناس. ثم فجأة اختفت غالبية هذه الإعلانات، وكان آخر الحملات الإعلانية تلك المتعلقة بالمسلسلات الرمضانية قبل شهر تقريبا، ومع انقضاء هذا الشهر الفضيل رحل المعلنون عن الواجهات الإعلانية واختفت الإبداعات الفنية من الوجود.
يبدو أن الناس مقتنعة بفكرة أن الإعلان هو أحد مرايا الأحوال الاقتصادية والسياسية للبلد. لا يا جماعة، الإعلان ليس مقياس الازدهار السياسي ولا هو ترمومتر الانحسار الاقتصادي. الإعلان ليس سوق الكويت للأوراق المالية حتى يقتنع الناس بأنه عند الإقبال المتزايد على الإعلانات يكون مؤشرا على تحسن الوضع الاقتصادي، حتى إذا ما تراجع الإقبال على الإعلان كان دليلا على تدهور الوضع الاقتصادي.
لا يا ناس، يا معلنين، «يا بتوع المدارس» الإعلانية. فأنتم عندما تعرضون إعلاناتكم فأنتم تستخدمون فنا رفيعا من فنون إغراء المستهلكين للسير على سلوك استهلاكي معين. والمعلن هو قائد التحفيز، إن لم يكن هو المحفز نفسه الذي يحاول بإعلانه أن يغري المستهلكين – أو ذوي العلاقة بمضمون الإعلان – على الإقبال على المنتج. والإعلان عبارة عن وعاء يقوم التاجر بمساعدة المعلن بملئه بعصارة فكرهما وخلاصة إبداعاتهما بهدف التأثير على المستهلك أو المشتري وإقناعه على الإقبال على المنتج.
والإعلان لا يختلف بأهميته كثيرا عن أهمية البحوث العلمية التي تعتمد عليها الشركات العملاقة في تطوير منتجاتها، إذ إن أي إعلان مبتكر لا يظهر إلى حيز الوجود إلا بعد أن يكون البائع والمعلن قد اقتنعا بقدرة الإعلان على جذب المشتري أو المستهلك نحو المنتج. بل إن المعلن هو الذي يتقدم نحو التاجر لإقناعه بجدوى مواصلة الإعلان عن منتجاته، ثم يستخدم التاجر إعلاناته بطريقة توحي وكأن هذا التاجر يضع يده على كتف المستهلك ويقول له: نحن هنا من أجلك.
إلا أن هناك ظروفا استثنائية قد تؤثر سلبا على مسار أهداف الإعلان بطريقة غير متوقعة. ولنأخذ من واقعنا المحلي أمثلة كانت حية في يوم من الأيام. إحدى الشركات الكويتية العملاقة المعروفة على مستوى الشرق الأوسط بأنها من الشركات العاملة في كثير من التخصصات أو ما يطلق عليها بشركات الـ (Mass Production)، التي تلبي حاجات المستهلكين من الألف إلى الياء. ولم يحدث قط أن عانت هذه الشركة العريقة من أي ضائقة مالية طوال مسيرتها الممتدة لعقود من الزمن.
إلا أنه في بداية ثمانينات القرن الماضي إنتشرت إشاعة مغرضة حول تعرض هذه الشركة لخسائر كبيرة، ما دفع مسؤوليها إلى ابتكار طريقة تثبت أن ما يشاع حول هذه الخسائر المزعومة مجرد كذب وافتراء، وأن الشركة في أفضل حالاتها المالية مقارنة بالسنوات السابقة. وشاء الله للظروف والصدف أن تجدد بعض البنوك الكويتية في ذلك الوقت التسهيلات الائتمانية لهذه الشركة، وزيادتها بشكل لافت بسبب توسع الشركة في مشاريعها داخل وخارج الكويت. فعمدت الشركة للإعلان في الصحف الكويتية عن أن ضخامة مشاريعها ساهمت بترسيخ ثقة البنوك بإمكاناتها ما دفعها إلى منحها تلك التسهيلات الإئتمانية الضخمة التي لا تمنح إلا للشركات القوية ماليا وإداريا. ولكن وبدلا من أن يكف المغرضون عن إطلاق إشاعاتهم الكاذبة، نشروا أخرى مفادها أن تلك التسهيلات الإئتمانية الأخيرة لم تكن إلا لدعم تلك الخسائر.
إلا أن سيناريو إعلانيا آخر حدثت تفاصيله بين شركتي “مرسيدس بنز” وشركة “بي أم دبليو” الألمانيتين، لينتج عنه إبداع في الأفكار الإعلانية وليعكس تنافسا راقيا بين عمالقة صناعة السيارات في العالم. فقد هنأت شركة مرسيدس بتهنئة شركة بي أم دبليو بمناسبة مرور 100 عام على تأسيسها، ولكن جاءت التهنئة بروح التنافس المبطن حيث حاولت شركة مرسيدس بنز أن توصل رسالة إلى بي أم دبليو مفادها أن شركة مرسيدس بنز أقدم وأعرق منها بثلاثين سنة، عندما كتبت في نص الإعلان: شكرا لكم على المئة عام من المنافسة لقد كانت الثلاثين عام الأولى فعلا مملة.
ولم تسكت شركة بي أم دبليو على هذه الرسالة التي يشتم منها إهانة مبطنة، حتى وإن كان تنافسا شريفا. وإذا كان إعلان شركة مرسيدس بنز قد فاض بالإبداع، فإن إعلان بي أم دبليو لم يكن أقل إبداعا منها. فكان الإعلان كما يلي: صورة بالألوان وبالحجم الكبير على إحدى اللوحات الإعلانية الضخمة المثبتة على الطرق الألمانية السريعة تظهر حافلة من صنع مرسيدس بنز محملة بسيارات بي أم دبليو وأسفل الصورة تعليق يقول: شكرا مرسيدس على نقل السعادة للناس.
إنتهى الإعلان الذي أنتج بالفعل صراعا إعلانيا وتجاريا في منتهى الرقي بين عمالقة صناع السيارات في العالم.
كلمة أخيرة أهمس بها في أذن الشركات الإعلانية ومعها الإدارة العامة للمرور، إذ أن شكل اللوحات الإعلانية الخارجية وهي خالية من أي إعلان، توحي وكأنها ممالك خاوية على عروشها تحكي عن إعلانات سادت ثم بادت. توقعت أن تتعاون الشركات الإعلانية مع الإدارة العامة للمرور لتنويع أساليب الإعلانات المرورية بدلا من الاكتفاء باللوحات الألكترونية على الطرقات بخطوطها الصغيرة التي يصعب على قائدي المركبات قراءتها خوفا من وقوع حوادث مرورية لا يحمد عقباها. ألا تقدر شركات الإعلان أن تتعاون مع المرور في هذا الجانب من أجل خدمة المجتمع؟. أليس من الأفضل أن تتعاون شركات الإعلان مع الإدارة العامة للمرور في هذا الجانب، فتنشر الإرشادات المرورية على لوحاتها الإعلانية في الوقت الذي تخلو هذه اللوحات من الإعلانات التجارية؟. إنها مجرد فكرة.
yousufzinkawi@hotmail.com

اعلامي كويتي