الإمبراطور البيزنطي تيوفيل والخليفة المعتصم قصص إسلامية

0 95

محمد الفوزان

انتهز الإمبراطور تيوفيل البيزنطي فرصة انشغال الخليفة المعتصم في حربهِ ومطاردة الخرّميين أتباع بابك الخرّمي، فأغار على الحدود الإسلامية، وهاجم مدينة زبطرة، وهي أقرب الثغور الإسلامية إلى أراضي الدولة البيزنطية، فأحرقها وخربها وقتل رجالها وسبى نساءها وأطفالها.
غضب المعتصم لهذا الحدث، خصوصًا أنه كان يعتز بتلك المدينة لأنها مسقط رأس والدته، ويذكر ابن الأثير أن امرأة هاشمية أخذت تصيح عندما وقعت في أسر الروم “وا معتصماه”، فلما بلغ ذلك المعتصم أقسم ان ينتقم من الروم وأن يخرب مدينة عمورية مسقط رأس والد الإمبراطور البيزنطي وأهم مدينة في آسيا الصغرى، ثم جمع المعتصم جيشًا كبيرًا بلغ تعداده خمسمئة ألف جندي، وتولى قيادته بنفسه، كما ساعده كبار قادته كحيدر بن كاوس (الافشين) وأشناس، ويقال إن اسم عمورية كان منقوشًا على درع كل جندي في الجيش.
تقدم المعتصم بجيوشه حتى التقى بجيش تيوفيل عام 838 ميلادية، فقامت بين الجيشين معركة انتهت بانتصار جيش المعتصم، ثم توجه بعدها إلى مدينة عمورية وضرب حصارًا عليها، وبعد الحصار الشديد تمكن المعتصم من اقتحام عمورية عنوة، وتخليص أسرى المسلمين، ولقد حذر بعض المنجمين المعتصم، وهو في طريقه إلى عمورية بشؤم الحرب، وأنه سيخسرها لظهور مذنَّب في السماء، وإن طالع السماء والنجوم تؤشر خسارته، فلم يهتم لأمر المنجمين، وتوكل على الله وواصل سيره، ولقد وصف الشاعر أبو تمام ذلك بالقصيدة التي يقول فيها:
“السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ
في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ
بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ
في مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ
والعِلْمُ في شُهُبِ الأَرْمَاحِ لاَمِعَة ً
بَيْنَ الخَمِيسَيْنِ لافي السَّبْعَة ِ الشُّهُبِ
أَيْنَ الروايَة ُ بَلْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا
صَاغُوه مِنْ زُخْرُفٍ فيها ومنْ كَذِبِ
تخرُّصاً وأحاديثاً ملفَّقة ً
لَيْسَتْ بِنَبْعٍ إِذَا عُدَّتْ ولاغَرَبِ
عجائباً زعموا الأيَّامَ مُجْفلة
عَنْهُنَّ في صَفَرِ الأَصْفَار أَوْ رَجَبِ
وخَوَّفُوا الناسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَة
إذا بدا الكوكبُ الغربيُّ ذو الذَّنبِ
وصيَّروا الأبرجَ العُلْيا مُرتَّبة ً
مَا كَانَ مُنْقَلِباً أَوْ غيْرَ مُنْقَلِبِ
يقضون بالأمر عنها وهي غافلة
ما دار في فلك منها وفي قُطُبِ
لو بيَّنت قطّ أمراً قبل موقعه
لم تُخْفِ ماحلَّ بالأوثان والصلُبِ”.
ويقال إن المعتصم كان يريد أن يواصل فتوحاته إلى القسطنطينية، غير أنه اكتشف مؤامرة دبرها ابن أخيه العباس مع القائد عجيف بن عنبسه الذي سبق أن قضى على ثورة الزط، مما اضطر المعتصم لأن ينهي الحرب مع الروم ويقبض على العباس وعجيف، فحبسهما ومنع عنهما الماء إلى أن ماتا.
ولُقب الخليفة المعتصم بألقاب عدة، إلا أن أشهرها هو الخليفة المثمنّ، وذلك لما كان له الرقم 8 من أهمية في عدد من الصدف التي تمحورت حولها حياته، فهو ثامن الخلفاء العباسيين من بني العباس، ودامت خلافته ثماني سنوات، وثمانية اشهر وثمانية أيام، وشهد عهده ثماني فتوحات عسكرية، وترك من الأولاد ثمانية أولاد، وثماني بنات، وكانت ولادته عام 108هجرية في الشهر الثامن من السنة (شعبان)، وتولى الخلافة سنة ثمان عشرة ومئتين، وفتح ثمانية فتوحات، وتوفي وله من العمر 48 سنة.
واحتجم المعتصم في أول يوم من المحرم سنة 227 هجرية 842 ميلادية، فأصيب عقب ذلك بعلته التي قضت عليه يوم الخميس لثماني ليال مضت من شهر ربيع الأول من تلك السنة.

إمام وخطيب

You might also like