“الإنسان القرد” مقالة للربعي لم تكتب شفافيات

0 79

د. حمود الحطاب

لا بد من العودة لمقالة الأمس لإدراك أبعاد هذا العنوان. مقالة بهذا الموضوع حدثني المرحوم أنه وَدَّ كتابتها ولم يكتبها، وكان كتب أمثال تلك التشبيهات في مقالات أخرى، كما قال.
المَعَّازُ في قصة دون كيخوته كان يروي قصة أثارت حماسة دون كيخوته الذي كان يرتدي فوق رأسه صحن حلاقة يحسبه خوذة ممبرينو البطل، وبيده رمح صديء ودرع قديمة؛ فانطلق دون كيخوته مؤيدا للمعاز في بعض ما ذكر، مضيفا إليه أمجاد وأعمال الفروسية الجوالة، ماحدى بالمعاز لتفحص دون كيخوته وشكله الغريب، الذي لا يتناسب مع ذلك الزمن، قائلا:” والله إن رأس هذا الرجل مليء بالغرف الفارغة”. ما أغضب دون كيخوته، وجعله ينهال عليه بأقذع السباب الشوارعية، واصفا اياه ومن جاءت به الى الدنيا بأنها هي التي في رأسها الغرف الفارغة.
ماحداني للربط بين هذه الحكاية، التي هي في الجزء الثاني من دون كيخوته، هو مسألة غرف العقل الفارغة التي وصف بها المعاز عقل دون كيخوته، والتي ذكرتها بمقالة الأمس، فتلك الغرف إنما هي مخازن حية رهيبة القدرات من الخبرات الحياتية وتفاعلاتها كيف ما كانت، ومن لا يفتح ابواب تلك الغرف ويوظفها بالتدريب فسيعيش إمعة عالة على الناس، عالة على المجتمع والحياة، وسيجد البديل للعيش المتكافئ كما يظن هو التقليد ومن دون عقل؛ وقلت وتأسفت من حالنا التي هي حال.
الإنسان القرد هو منظومة تعليم تقلد ما عند الشعوب المتقدمة من أجندات تربوية، ومن دون مراعاة طبيعة المجتمع والمراحل التعليمية والثقافة المنتقاة، وخصوصيات مراحل النمو وغيرها من عناصر العملية التربوية. القردية هي حالة المجتمع الثقافية والعلمية والسياسية والقيمية، ذلك المجتمع الذي لم ينظر في رصيده الثقافي العظيم وفكره وفلسفته حين لجأ لتقليد فكر الآخرين.
النسناسية حالة من الخور تصيب المجتمعات البليدة التي توجد في أدمغتها غرف فارغة، كما وصف المعاز؛ تلك المجتمعات التي لا تجد القدوة الثقافية والعلمية والقيادية في نفسها، فسبيلها سبيل القردة التي تحاكي ما أمامها من الحركات من دون ادراك لطبيعة ما تفعل.
إن القردية حالة من العبودية تصيب المجتمعات الشهوانية البليدة، فتترك قيمها ومبادءها وتتخلى عنها، لقيم تافهة تقلدها تقليد الإمَّعات… تقليد الشيتة والنسانيس؛ ولو عرفت تلك المجتمعات التي قلدتها ما عند المقلدين من المبادىء القيمة والسلوكيات الحضارية لما وسعها غير أن تعمل بها، وتطورها وتتطور من خلالها.
أتوقع أن الدكتور أحمد الربعي لو أدرك ما نحن فيه في هذه الفترة التاريخية الحرجة، لكتب مثل ما أتوقع أن يقوله تجاه الإنسان القرد، الذي حرم نفسه من طاقة العقل في مَلْوِ تلك الغرف الفارغة… غرف القدرات العقلية المدربة التي ببعض تعبئتها بالطاقات استطاعت أن تقيم بعض ما نراه من حضارات، مادية ومعنوية، فيها الكثير… الكثير من معطيات عظمة ذلك الإنسان العظيم الذي سيظل مجهولا حين يكون مجرد إنسانا قردا نسناسا… مجرد شيتة.
كاتب كويتي

You might also like