الإيلاء منهاج لحل الخلافات الزوجية الأساليب النبوية في معالجة المشكلات الزوجية (8)

0

يقول الحق تبارك وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، (سورة الأحزاب الآية: 21). فهو صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة في كل ما يهم الإنسان في حياته وشؤونه، والنموذج الأوحد في الكمال الإنساني والرقي الحضاري، وتعاليمه صلى الله عليه وسلم هي البوصلة الهادية الى الطريق المستقيم وبها يكون التوازن والاستقرار المنشود للحياة الزوجية وتكوين الأسرة المسلمة السعيدة، وفي دراسة متعمقة وعلى مدى أيام الشهر المبارك نقدم رؤية تحليلية للحياة الزوجية في بيت النبوة، ونتعرف على منهج النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله داخل منزله وخارجه، كما نتعرف على أساليبه صلى الله عليه وسلم في معالجة المشكلات الزوجية في بيته الكريم، ونرصد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته.

يقول الدكتور إبراهيم بن علي الحسن في كتابه “من وسائل علاج المشاكل الزوجية”: إن من الأساليب التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم في حل الخلافات والمشكلات الزوجية في بيت النبوة الإيلاء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “أصبحنا يوما ونساء النبي صلى الله عليه وسلم يبكين، عند كل امرأة منهن أهلها، فخرجت إلى المسجد، فإذا هو ملآن، فجاء عمر بن الخطاب فصعد إلي النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غرفة فسلم فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، فناداه فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أطلقت نساءك؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا، ولكن آليت منهن شهرا”، (رواه البخاري).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “… فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متكئ على رمل حصير، قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟!، فرفع رأسه وقال: لا، فقلت: الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا –معشر قريش- قوما نغلب النساء، فلما قدمنا إلى المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضبت علي امرأتي يوما، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت تنكر أن أراجعك؟! فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن إلي الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر، أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد هلكت؟! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! قد دخلت علي حفصة فقلت: لا يغرنك أن جارتك هي أوسم منك، وأحب إلى رسول الله منك، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم… وكان أقسم ألا يدخل عليهن شهرا، من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله”، (رواه البخاري).
والحياة الزوجية لا تخلو من ظروف قاهرة، وضغوط آسرة ومشاكل ومشاكسة، وشد أعصاب.. ومن ثم قد يتحفز الزوج فيحلف أن لا يعاشر امرأته، وهذا هو الإيلاء.
والإيلاء وإن كان نوع من البعد عن المرأة المشاكسة، وفيه إرجاء لمواجهة المشكلة، لكن من يعرف طبائع النفوس يعلم أن البعد عن المواجهة يكون أحيانا هو العلاج الناجح والبلسم النافع، ثم إنه نوع تأديب للمرأة في سلاحها الذي تعتد به، وبه تصول وتجول وتتطاول، وهو سلاح فتنتها للرجل، وعدم صموده أمام إغرائها وجاذبيتها.
وفي المواقف التالية ما يكشف اللثام عن هذا العلاج القرآني، فالإيلاء مصدر، يقال: آلي يؤلى إيلاء، وتألي يتألى تألياً، وأتلى يتألى ائتلاء أي: حلف ومنه قول الله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ)، (سورة النور الآية: 22)، أي: لا يحلف ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم “أين المتألى على الله لا يفعل المعروف” لما سمع حالفا يحلف ألا يضع من دين خصمه شيئا. وظاهر كلام أهل اللغة أن كل حلف يسمى إيلاء.
والإيلاء في القرآن الكريم بمعنى: حلف الزوج المانع من جماع امرأته فيقول الحق تبارك وتعالى: (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، (سورة البقرة الآيتان: 226، 227)، والمراد: أن الذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم من غير تحديد مدة، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، يمهلون أربعة أشهر كحد أقصى، لما في الزيادة من إضرار بالمرأة، وإهانة لها، وإهدار لحقوقها (فإن فاءوا): أي رجعوا إلى ما كانوا عليه قبل الحلف، وهو كناية عن الجماع، “فإن الله غفور رحيم” لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين، ولا يعني ذلك سقوط كفارة اليمين علي القول الصيح “وإن عزموا الطلاق” أي: عزموا علي تحقيقه، ولم يفيئوا إلى نسائهم، فليتقوا الله، وليفارقوا بإحسان، ولا يمسكوهن ضرارا ليعتدوا، “فإن الله سميع” لأقوالهم “عليم” بأفعالهم ونياتهم فليراقبوه، وليحذروا مخالفته.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ثُمّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لاَ يَأْكُلُ، مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ، ثُمّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ، فَأَتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ حَلَفَ عَلَىَ يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأَتِهَا، وَلْيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ”. أخرجه مسلم. فإن لم يطأها زوجها ولم يكفر، فعليها الصبر حتى ينقضي الأجل الذي سماه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه.
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَتْ سَاقُهُ، أوْ كَتِفُهُ، وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْراً، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأتَاهُ أصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِساً وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قال: “إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإنْ صَلَّى قَائِماً فَصَلُّوا قِيَاماً”. وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالُوا: يَارَسُولَ الله، إنَّكَ آلَيْتَ شَهْراً؟ فَقَال: “إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ”. متفق عليه. فإن كفّر وعاد إلى وطئها سقط الإيلاء، وإن لم يكفّر ويعود إلى وطئها انتظرت حتى تمضي أربعة أشهر، ثم طالبته بوطئها، فإن أبى طالبته بطلاقها، ولا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بمعروف، أو يعزم بالطلاق.
يقول الشيخ محمود المصري في كتابه “الزواج الإسلامي السعيد”، أن الإيلاء جائز شرعاً، ولأن النبي آلى من أزواجه شهرا تأديباً لهن، وقد اختلفت الروايات في سبب إيلائه صلى الله عليه وسلم: أحدها: أنه بسبب إفشاء حفصة للحديث الذي أسره إليها. وثانيها: السبب في إيلائه أنه فرّق هدية جاءت له بين نسائه فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها فزادها مرة أخرى فلم ترض فقالت عائشة: لقد أَقْمَتْ وَجْهَكَ تردُ عليكَ الهَدِيّة، فقال: لأنتن أهون على الله من أن يغمني، لا أدخل عليكنّ شهر. وثالثها: أنه بسبب طلبهنّ النفقة.
واجمع العلماء على أن مدة الإيلاء أربعة أشهر لقوله: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} التربص هو: الانتظار، ومنه قوله تعالى: {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ}، (سورة التوبة الآية:24). أي انتظروا. فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة فلا يخلو: إما أن يكون أقل من أربعة أشهر، أو أكثر منها، فإن كانت أقل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر، وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله آلى من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: (الشهر تسع وعشرون)4. فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر: إما أن يفيء -أي يجامع- وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا أو هذا لئلا يضر به.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

5 × واحد =