نساء جاسوسات

الاتحاد السوفييتي جند عدداً من الفتيات في اليابان خلال الحرب العالمية الثانية نساء جاسوسات

الفتاة الحسناء رضخت لمطالب المخابرات باستغلال جمالها لتحقيق الأهداف

فلور… جاسوسة بريطانية باعت نفسها للحصول على الملذات

ليست الجاسوسية عملا مستجدا رغم تطور ادواتها في العصر الحديث، انما هي وجدت منذ قديم الزمان، وقد كتب عنها الكثير، أكان لجهة تأثيراتها وفعاليتها في الحروب، واختلفت النظرة اليها حتى بين القادة الذين استخدموا الجواسيس في كل حروبهم، اذ كان بعضهم ينظر اليها على انها من الشجاعة والبطولة كما هي حال الملك البريطاني جورج الخامس، او الازدراء وفقا لما يروى عن الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت الذي رفض منح ابرز الجواسيس الفرنسيين وسام “جوقة الشرف” وقال لكارل شولميستر: “ان اعمال الفروسية التي وضع لها الوسام لا تتماشى مع ما يفعله الجاسوس”.
صحيح ان الكثير من الرجال اشتهروا بالتجسس وخلدوا في هذا المجال، لكن هناك نساء مارسن هذا العمل ونلن قسطا وافرا من الشهرة، ورغم ما كتب عنهن ايضا الا ان هناك جوانب عدة من حياتهن بقيت غامضة.
عن هذه الجوانب كتب اللواء المصري عادل شاهين كتابه “المرأة والجاسوسية” الذي سيصدر قريبا عن “مؤسسة الاهرام” ولقد اختارت “السياسة” بعض فصول الكتاب لتنشرها على حلقات قبل طرحه بالاسواق، وهي تنشر هذه الفصول حصريا بالتنسيق مع مركز الاهرام للترجمة والنشر ووكالة الاهرام للصحافة.
يتضمن الكتاب معلومات كثيرة ووقائع تاريخية واحداثا عن نساء عدة انخرطن في اعمال التجسس وشاركن في اعمال الاستخبارات، كالخطف والاغتيالات والتفجير اضافة الى نقل المعلومات، وكثيرات منهن القي القبض عليهن وحوكمن واعدمن، بينما بعضهن استردتهن دولهن وعشن حياتهن بعيدا عن الاضواء، وفي ما يلي حكاية بعض النساء اللواتي اشتهرن في هذا المجال:

«فلور» تلك الفتاة البريطانية الحسناء الجميلة بالإضافة إلى ما تتمتع به من مظهر جذاب، وجرأة نادرة، وثقافة عالية، كانت تدعى إلى أغلب الحفلات الاجتماعية بترتيب من المخابرات البريطانية، وكانت تعمل بكل ما أوتيت من مظاهر الأنوثة على مصاحبة ذوي المكانة الاجتماعية أو السياسية أو العسكرية من علية القوم بهدف اقامة علاقة تسمح لها بالحصول على أدق الأخبار والأسرار. وقد تمكنت من إغواء أحد المسؤولين الفرنسيين فوقع صريعًا في حبها حتى أنه عرض عليها الزواج تاركًا أسرته (زوجته وأولاده)، وتماديًا في خطتها الجهنمية في السيطرة عليه اعتذرت له بأدب قائلة إنها لا تريد منه هذه التضحية، وأنها ستبقى له صديقة مخلصة وسارت الأمور بينهما على نحو صداقة بلا سقف وحصل على كل ما كان يتمناه منها، كما حصلت هي بالمقابل على أدق الأسرار التي كانت تفيض من فمه على مخدعها.
وقد تصادف – أيضًا – أن وقع في شباكها أحد رؤساء الوزارات الإيطالية وأصبح لا يفارقها وتعددت أماكن لقاءاتهما الغرامية، وتعددت أيضًا أحاديثه عن أدق الأسرار، وهكذا كانت المخابرات البريطانية تحصل من وراء (فلور) تلك الفتاة الحسناء على كل ما كانت تطلبه من المعلومات حتى إنها – أي المخابرات البريطانية – علمت أن أحد كبار الجواسيس الألمان يقيم في سويسرا تحت اسم كودي
الأستاذ أهرادات فوضعت خطة لدفعها عليه لتكتشف حقيقته وتساعد على اعتقاله.
وكان أهرادات يقطن في غرفة في أحد الفنادق في سويسرا، وكان معروفًا أنه لا يسمح لأحد من عمال النظافة بتنظيف غرفته خوفًا من أن يعبث أحد في مجموعة الآثار التي كان يقتنيها، هكذا كانت حجته، ولكن الواقع كان يكذب ذلك أنه لم يكن في الغرفة آثار أو تحف قديمة، وكان أحيانًا يسمح لعامل النظافة بتنظيف الحجرة ولكن في حضوره.
ويرجع هذا الحرص الزائد من الأستاذ أهرادات إلى أنه يحتفظ في حجرته بأدوات ووسائل التجسس الذي يمارسه ومنها جهاز لاسلكي صغير الحجم، وقوائم بأسماء عملاء ألمانيا في سويسرا الذي يتصل بهم ويتعاون معهم، وهو ما رغبت المخابرات البريطانية في الحصول عليه.
وبدأت (فلور) تنفيذ الخطة التي رسمتها لها المخابرات البريطانية فتوجهت إلى مدينة (زيورخ) في سويسرا ونزلت في نفس فندق (هيرشن) الذي يقيم فيه الأستاذ أهرادات وبدأت فلور تستنفر كل ما تحويه أنوثتها، وتتعمد مقابلته في بهو الفندق وفي المصعد، وفي صالة الطعام حتى لفتت نظره وسارت الأمور على هذا النحو حتى أنه بدأ في تركيز نظره عليها كلما شاهدها، فكانت تقابل هذا بابتسامة ودلال.
لم تمض أيام قليلة حتى وقع الأستاذ أهرادات في شباك هذه المرأة، وأصبح هو الذي يطارد تحركاتها ويرسل لها كلما شاهدها ابتسامة مميزة تحمل في طياتها أنه يرغب في التعرف عليها، واستجمع شجاعته ودعاها إلى غرفته لتتناول معه كأسًا من الويسكي، وهكذا أثمرت الخطة أولى خطواتها الإيجابية.
وفي الموعد المحدد كان (أستاذ أهرادات) يلبس روبًا أنيقًا ذا لون قرمزي يفتح باب الطارق الذي كان بالفعل الآنسة فلور، واستقبلها مقبلًا يدها ودعاها للدخول، وبدءا يتناولان الشراب، وفي نفس الوقت قامت فلور وخففت من ملابسها العلوية بحجة أنها أصبحت منتشية وزادت حمرة وجهها، وبدأ كل منهما يحدق النظر إلى الآخر ويرسل سهامه المشبعة بالرغبة، ولم يمض وقت إلا وكانت فلور ضيفة فراشه.
وما إن أصبح الرجل تحت كامل سيطرتها طلبت منه فجأة أن يذهب إلى غرفتها في الطابق الأول، ويحضر لها ألبوم الصور الخاص بها لتطلعه عليها.
واستجاب الرجل على الفور لتلبية طلبها، وهم بارتداء ملابسه والخروج من الحجرة، عند ذلك قفزت فلور إلى أوراقه، وحاولت وضعها في حقيبتها. وفي هذه اللحظة دخل سكرتيره الذي كان يشك في تصرفاتها مع سيده ويراقبها من ثقب الباب لدى خروج سيده فقيدها حتى حضر أهرادات ليفاجأ بما رأى، وكانت الصدمة فقرر أن تسليمها للسلطات، وخوفًا من الفضحية تحرك ذكاء فلور لترسم خطة للإفلات من هذا المأزق فحدثت أهرادات عن أنها ستقدم له شيئًا ثمينًا مقابل إطلاق سراحها، فرضي بذلك. وقالت له سأملي عليك أسماء عدد من الجواسيس البريطانيين في ألمانيا، وأماكن تواجدهم، وبدأ أهرادات يكتب ما يملى عليه من أسماء وأماكن تواجدها، والغطاء الذي يخفي حقيقة قيامهم بالتجسس على ألمانيا، وأطلق سراحها في هدوء،. وغادرت فلور الفندق في صباح اليوم التالي وسافرت عائدة إلى بريطانيا.
ومضت أيام وجاء خطاب لأهرادات من برلين يحوي لومًا شديدًا وتقريعًا عما أرسله من أسماء اتضح أنها وهمية لا وجود لها.
والواقع أن فور وإن كانت قد فشلت في هذه المهمة إلا أن كل تاريخها مع المخابرات البريطانية كان يحوي عددًا غير قليل من المهام الناجحة التي كلفتها بها المخابرات البريطانية مستغلة حسنها وجمالها وأنوثتها الملفتة، فقد سبق أن طلبت منها المخابرات البريطانية الحصول على (الشيفرة الألمانية البحرية) ونجحت في الاقتراب من أحد كبار ضباط البحرية الألمان واستطاعت أن توقعه في شباك غرامها وكان لقاء الفراش هو مفتاح تحقيق الهدف، وحصلت منه على الشيفرة التي تستخدمها المدمرات الألمانية في البحر، ومن ثم استطاعت بريطانيا أن تعرف مدى حجم استعداد الألمان في معركة (غوتلند) البحرية المشهورة.

الجاسوسة التي باعت نفسها في سبيل الشهوة:
في بداية الخمسينات من القرن الماضي، كانت المقاومة الشعبية المصرية في ذلك الوقت على أشدها للعمل على إخراج القوات البريطانية المستعمرة من منطقة القنال، وتسعى بكل طاقاتها إلى بث الرعب والخوف في نفوس أفراد وقيادات هذه القوات حتى يكون ذلك دافعًا لأن يفكروا في الرحيل إلى خارج مصر إلى غير رجعة.
وفي ذلك الوقت كان أحد كبار ضباط البوليس المصري (اللواء صلاح الدين متولي) على رأس عمله مديرًا للمباحث العامة في منطقة القنال، كان مثالًا في أداء عمله هو ومن يعاونه من ضباط البوليس المصري، فالجميع كان يستنفر جل طاقاته لمحاربة المستعمر الجاثم على أرض الوطن.
والواقع أن عناصر المخابرات البريطانية في منطقة القنال كانوا يركزون في نشاطهم على الحصول على كل ما يتوفر من معلومات عن نشاط رجال المقاومة الشعبية ومن يقوم بتوجيههم أو قيادتهم في المنطقة، وبالطبع كان اسم اللواء صلاح الدين متولي معروفًا لديهم.
وذات صباح وبينما كان اللواء صلاح الدين متولي في مكتبه يراجع ويطالع التقارير الواردة من رجال المقاومة الشعبية. دخل عليه أحد معاونيه (اليوزباشي حسن) وبعد أداء التحية طلب الإذن بالجلوس حيث لديه موضوع مهم يرغب في عرضه على قائده. وبالفعل سمح له بالجلوس، وفي نفس اللحظة قام اللواء صلاح الدين بإضاءة اللمبة الحمراء على باب مكتبه ليمنع دخول أحد، وبدأ الضابط – وهو في حالة ارتباك شديد – يروي قصته وهو يتناول فنجان قهوة قدم له حيث قال:
«أنا يا فندم عندي موضوع مهم وخطير وهو أنني وقعت فريسة للمخابرات البريطانية وعلى الفور طمأنه اللواء صلاح الدين متولي بأنه لن يمسه ضرر طالما أفصح عن الخطأ الذي وقع فيه قبل إتمامه عملًا بنص قانون العقوبات المصري – في حينه -، وواصل الضابط حديثه قائلًا:
يا فندم منذ شهر عند عودتي لمنزلي وحين فتحت الباب ودلفت إلى الداخل فوجئت بوجود سيدة أجنبية جميلة جدًا تبتسم لي وتقابلني بالأحضان فانتابني الشك فيها وقلت لها من أنت؟ فأجابتني بأنها زوجة أحد مديري شركة القناة الأجانب، وقد اختارتني أنا شخصيًا لأكون صديقًا لها لكوني غير متزوج، وأضافت أنه سيكسب كل منا الآخر متعة لا حد لها، ولما سألتها ولكنك متزوجة كما قلت، قالت: زوجي غارق في عمله ليل نهار، والأهم أنني اخترتك أنت وأشعر بحب شديد لك. فقلت لها وكيف عرفتني وعرفت مسكني وكيف دخلت المنزل؟ قالت: لا تنزعج وكانت المفاجأة: أنها اعترفت لي بأنها ضابط في فرع مخابرات القنال البريطاني، وأنها كانت مكلفة بتعقبي في كل مكان أذهب إليه حتى حصلت بنفسها على كل ما يتعلق بي، وأنني أقيم بمفردي في منزلي، وليس لي علاقات نسائية، والأهم أنها أضافت: أنا معجبة بك فأنت وسيم، وستكون علاقتنا بلا حدود، وسوف أتبادل معك كل المعلومات التي تتعلق بالعمل فالمنفعة ستكون متبادلة، ولم تمض دقائق إلا ودلفت إلى فراشي، وكانت بين أحضاني، وقد وجدت فيها نوع المرأة التي تعشق العلاقات الجنسية حتى الشبق. وتكررت لقاءاتنا في منزلي كل يومين.
ويستطرد: واليوم كاشفتني بصراحة عن طلب خطير للمخابرات البريطانية التي تبارك علاقتها الجنسية معي خدمة لمخابرات صاحبة الجلالة، وطلبها أن أعطيها نسخة طبق الأصل عن تقارير سيادتك – يقصد اللواء صلاح الدين متولي – التي ترسلها إلى وزارة الداخلية بالقاهرة عن أعمال المقاومة، وما تنتوي القيام به مستقبلًا، وتركتني بعد لقاء ساخن على فراشي وقد فوجئت أنها تركت في درج مكتبي بالمنزل خلال تواجدي في الحمام خمسة آلاف جنيه دون أن تذكر لي شيئًا عنها، وغادرت على موعد العودة بعد يومين، هذا يا أفندم كل شيء عن هذا الموضوع، وأنا جاهز لأتلقى أوامرك يا أفندم».
والواقع أن اللواء صلاح الدين متولي، كان خلال سماعه لما رواه الضابط حسن يفكر فيما سيأخذ من قرارات حيال ما رواه الضابط، وفي نفس الوقت خطر بباله أن يستغل ميل هذه الجاسوسة الشديد للجنس نحو الضابط وقال له: «أنت تأخذ الفلوس ديه، أي الخمسة آلاف جنيه، وتذهب بإجازة فورًا ولا تعود إلا بعد أن أطلب منك ذلك.
وفي نفس الوقت وعقب انصراف الضابط حرر اللواء متولي كل ما سمعه من الضابط في تقرير رسمي وأضاف للتقرير ما ينتوي فعله وأرسله إلى رئاسته في وزارة الداخلية بالقاهرة.
وبعد ثلاثة أيام حضرت الجاسوسة إلى منزل الضابط فلم تجده، ودق جرس التليفون على مكتب اللواء صلاح الدين متولي وكان المتحدث زوجته تخبره بأن امرأة أجنبية حضرت للمنزل وتود لقاءه! فطلب من زوجته أن تستقبلها وتقدم لها واجب الضيافة حتى يحضر. وهو بالطبع كان يتوقع أن تكون تلك الجاسوسة الهائمة حبًا بالضابط (حسن) وبدء الشك يساور زوجة اللواء متولي، ترى من تكون هذه المرأة؟ وما علاقتها بزوجها؟ وما هي إلا دقائق حتى كان اللواء متولي يسلم على الجاسوسة ويدعوها للدخول معها إلى صالون النزل، وطلب من زوجته أن تتركه معها منفردًا، وهو الأمر الذي استجابت له زوجته ولكن بامتعاض كان باديًا عليها.
وما إن أغلق باب الحجرة حتى قالت تلك الجاسوسة للواء متولي بصورة صريحة ومباشرة:
«أنا جئتك لأعقد معك صفقة، هي أن تترك لي الضابط، وأنا مستعدة أن أقوم بأي عمل تكلفني به، ولن أخفي عليك بأنني أصبحت رئيسة لفرع المخابرات البريطانية بالمنطقة، أرجوك أن تقبل هذا الاتفاق لأنني لن أقوى على فراق الضابط (حسن) وقد عززت ذلك العرض بدموع بدت واضحة في عينيها. وأضافت: بأنها وعدت رؤساءها بأنها ستفعل المستحيل لإعادة الضابط لها، حتى تتواصل معه لإشباع شبقها الجنسي وفي نفس الوقت للظفر منه بمعلومات عن المقاومة الشعبية».
وعلى الفور: قال لها اللواء صلاح الدين متولي: أنا موافق على طلبك ولكن عليك أن تقدمي لي دليلًا على إخلاصك لنا، وإلا لن تقابلي الضابط أبدًا».
قالت: التقرير اليومي الذي يرسل إلى رئاسة المخابرات البريطانية في منطقة القنال عن أعمالنا يخرج من عندي يوميًا، وأنا على استعداد أن أمرره عليك يوميًا من خلال الضابط حسن حيث يمكنك الاطلاع عليه وإعادته إليّ في غضون نصف ساعة فقط.
وانتهى اللقاء على وعد بالتنفيذ من كلا الطرفين، وغادرت المنزل، ومضت الأيام والضابط حسن يستلم التقرير الذي يحتوي على نشاط فرع المخابرات البريطانية في منطقة القنال، وبالمقابل يزودها ببعض المعلومات المزيفة، وغير الحقيقية عن نشاط المقاومة الشعبية كما وضعت تحت الاختبار فيما يتعلق بالمعلومات التي كانت تقدمها. وهكذا باعت هذه الجاسوسة نفسها في سبيل إشباع شهوتها الجنسية.
أما نهاية القصة فمفادها أن السيدة (كليرغودن) وهو الاسم الحقيقي للجاسوسة البريطانية قد غادرت فجأة هي وزوجها، ودون سابق إنذار وكان واضحًا للواء صلاح الدين متولي، وللضابط حسن أن المخابرات البريطانية قد فطنت أن كل ما كانت تقدمه من معلومات عن طريق الضابط حسن عديمة الفائدة، وليس لها ظل من الواقع.
الشبكة السوفيتيـة بـاليـابـان أثـنـاء الحرب العالمية الثانية
الجاسوسـة السوفيتية،. (تا نيـا ماركوفـنـار راديـونسكـا)
الجاسوسية السوفيتية،. و(شبكة الأوركسترا الحمراء)
الشبكة السوفيتية باليابان أثناء الحرب العالمية الثانية:
حققت هذه الشبكة برئاسة الدكتور ريتشارد سورج إنجازات كبيرة، وعلى درجة كبيرة من الأهمية في خدمة الأهداف التكتيكية والاستراتيجية للاتحاد السوفيتي، والواقع أن النتائج النهائية للحرب العالمية الثانية قد ترتبت على الأعمال المهمة والمتوالية لهذه الشبكة.
ويرجع الفضل في انتصار القوات السوفيتية الحاسم على الجيش الألماني في معركة «ستالينجراد «يرجع إلى المعلومات المهمة التي حصل عليها العملاء السوفيت في اليابان.
يقول رونالد سيث في كتابه «فن الجاسوسية»:
هذه الشبكة حققت واحدًا من أهم الأعمال في تاريخ الجاسوسية العالمية، ويؤكد هذا الملحق السياسي بسفارة ألمانيا بطوكيو في الفترة التي عاصرت نشاط هذه الشبكة حيث أعرب عن إعجابه بما قام به «سورج «حيث كان من أقدر الجواسيس، وأشدهم خطرًا في جميع العصور.
أدرك المسؤولون عن المخابرات السوفيتية بالاشتراك مع زعماء الحزب الشيوعي الألماني أن الدكتور «ريتشارد سورج «يعتبر هدفًا صالحًا للتجنيد، وبعد مزيد من التحريات عنه تم عرض التجنيد عليه، وقوبل بترحيب كبير منه، وقد تم تدريبه على أعمال الجاسوسية في مدة استغرقت خمس سنوات، ثم اختير لرئاسة الشبكة السوفيتية باليابان.
وقد اشترك الدكتور ريتشارد سورج مع مدير المكتب الرابع التابع لهيئة أركان حرب الجيش السوفيتي في اختيار أسماء أعضاء الشبكة، وإعداد الخطة الرئيسية لها وطريقة تشغيلها، والوسائل التي استخدمها في نقل المعلومات التي ستحصل عليها، وقد بدأت الشبكة نشاطها في عام 1934م.
وقد استقر الاختيار لأعضاء الشبكة الرئيسيين من كل من:
(الدكتور ريتشارد سورج – أوزاكي – كلوسن، فوكولويتش، مياجي) وكانوا جميعًا يعملون من قبل في الشبكة السوفيتية بالصين، أي كانوا جميعًا يتمتعون بخبرة سابقة كبيرة في عالم الجاسوسية.
وكانوا يعملون تحت سواتر عدة تتيح لهم الحصول على المعلومات المهمة، فكان سورج يعمل تحت ساتر العمل الصحفي، وكان أوزاكي، وهو أصلًا من أسرة يابانية ميسورة، يعمل تحت ساتر العمل الصحفي أيضًا في طوكيو. أما فوكولويتش، وكان ضابطًا سابقًا في الجيش اليوغسلافي – فقد اتخذ أيضًا من ساتر العمل الصحفي مجالًا لتحركاته ونشاطه في الحصول على المعلومات المهمة والخطيرة. أما كلاوسي: فقد اختلف الساتر الذي اتخذه لإخفاء حقيقة نشاطه عن جميع الأعضاء الآخرين، فقد حبذ رؤساؤه أن يعمل في ميدان الأعمال الحرة كساتر لنشاطه. أما مياجي: وقد كان فنانًا يابانيًا هاجر إلى الولايات المتحدة، وهناك فوجئ بالفوارق الشاسعة التي تحكم واقع البشر، ولم يكن في داخله يرضى بهذا النمط، فاتجه فكره نحو المبادئ الشيوعية، وانتهى به الأمر إلى انضمامه للحزب الشيوعي الأمريكي، وهنا أدركت المخابرات السوفيتية من واقع متابعتها لنشاطه وتحمسه للشيوعية، فاتجهت إلى تجنيده لخدمة أهدافها في اليابان، ومن ثم استمر (ماجي) في عمله القديم كفنان إذ أتاح له الاختلاط بطبقات مهمة في المجتمع الياباني وخاصة ضباط القوات المسلحة وكبار الشخصيات من اليابانيين ذوي النفوذ، وكان مجال بيع وتسويق لوحاته الفنية مدخلًا يسر له الحصول على المعلومات المهمة:
وهكذا استمرت هذه الشبكة السوفيتية تمارس عملها التجسسي في اليابان لمدة ثمان سنوات كاملة من 1934 وحتى 1942م دون أن يكتشف أمرها، وأن تكون الشبكة الوحيدة التي مارست نشاطًا تجسسيًّا ناجحًا ضد اليابان لصالح المخابرات السوفيتية. رغم ما هو معروف عن كفاءة أجهزة المخابرات اليابانية بصفة عامة وأجهزة مقاومة التجسس «الكمبتاي «بصفة خاصة.
ويثور التساؤل: كيف توصلت أجهزة المخابرات اليابانية، وخاصة «الكمبتاي «وهو الجهاز المعني بمقاومة التجسس إلي كشف نشاط أعضاء هذه الشبكة قبل سفرهم وخروجهم من اليابان بعد تحقيق جميع أهدافهم؟؟
في الواقع إن هناك جهودًا عديدة من أدوات العمل السري المخابراتي مارسته المخابرات اليابانية، والتي انتهت في النهاية إلى تأكيد الشكوك في أعضاء هذه الشبكة، بل والحصول على أدلة دامغة لإدانتهم بتهمة التجسس. ومن ثم قامت أجهزة (الكمبتاي) اليابانية بالقبض على أعضاء هذه الشبكة قبل مغادرتهم لليابان بعد تحقيق كل أهدافهم التجسسية.
وفيما يلي بعض الأساليب السرية التي مارستها أجهزة المخابرات اليابانية لكشف هذه الشبكة السوفيتية، وحقيقة نشاطها التجسسي:
1- أدركت (الكمبتاي) وجود نشاط معادي تمارسه إحدى شبكات الجاسوسية ضد أمن بلادها من خلال التقاط أجهزتها الفنية لبعض الرسائل اللاسلكية المشفرة، ومن ثم تأكدت من تسرب بعض المعلومات السرية إلى الخارج.
2- كلفت أجهزة المخابرات اليابانية عملاءها في الدول المختلفة بالبحث عما إذا كانت الدولة التي يعمل بها كل منهم تعلم مقدمًا بأي معلومات يابانية مهمة. وهذا يقودهم إلى تحديد ومعرفة الدولة التي يمكن أن يكون لها شبكة للجاسوسية تعمل باليابان، وبالتالي التركيز على مراقبة مواطنيها المقيمين بها أو كل من كان له صلة بهم.
3- اجرت المخابرات اليابانية تحريات سرية مركزة عن الاتجاهات الماضية والحاضرة لجميع الأشخاص الذين يتمكنون بحكم عملهم الرسمي من الاطلاع على قرارات الحكومة، وخطط القيادة العامة للجيش الياباني، وقد أسفر ذلك بالفعل عن حصر كل من: سورج، أوزاكي، فوكولويتش، ضمن المشكوك في حقيقة نشاطهم.
4- كثفت المخابرات اليابانية استخدام المعدات الفنية اللاسلكية الخاصة بالتقاط الرسائل، وكسر الشفرة، وتحديد الاتجاه. واستمرار عملها ليلًا ونهارًا، وقد ساعد الإرسال الكثيف الذي قامت به الشبكة خلال تحركات الجيش الياباني.
5- وكانت الضربة القاصمة والحاسمة وهي تجنيد إحدى الراقصات اليابانيات، واستغلالها في الكشف عن حقيقة نشاط الدكتور (ريتشارد سورج) رئيس الشبكة، بعد ازدياد الشكوك فيه. وتعتبر هذه الوسيلة رغم قدمها، ذات فعالية كبيرة وقد استخدمتها (الكمبتاي) بنجاح بعد دراسة فاحصة لعادات سورج الشخصية، التي أوضحت إمكان الحصول بواسطتها على نتائج كبيرة، وقدمت الراقصة بالفعل الدليل النهائي الذي أدان سورج وهو: الورقة التي لم يقم بإتلافها جيدًا وكانت تحتوي على ما يكفي للقبض على جميع أعضاء الشبكة (وقد حكم على اثنين منهم بالإعدام.
(… يتبع)