الاعتدال والوسطية

الدكتور سفيان عباس التكريتي

مصطلحان كلاهما سيان في محصلتهما ، قال تعالى “وكذلك جعلناكم أمة وسطا ً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” (البقرة 143), فالاعتدال سلوك قويم ينم عن الملاءة الإيمانية والثقافية عالية المآب ترفد صاحبها بمقومات قوة الشخصية وأسباب قبولها داخل البنية المجتمعية وتفاعلها مع النسيج الإنساني من مختلف المكونات والديانات والقوميات وتضعه في المناص العالي بين الأنام يكن له الجميع التقدير.
ولن يتبوأ هذه المكانة الاجتماعية إلا من كان خزينه المعرفي غزيرا وأفقه واسعا وبنيانه التربوي قويا وعلمه في شؤون الدين والحياة وفيرا وأن يتسم بالعدل والإنصاف عندما ينصب حكيما بين الناس لا ينحاز لأحد ولا يساوم الأطراف لمصلحته الشخصية وان يكون حله وفصله في النزاعات وسطيا لا يظلم الخصوم إذا ما أراد رضى خالقه “يوم لا ينفع مال ولا بنون”.
فالوسطية تشكل الحلقة الأخرى في البناء الذاتي ولها قواعدها وأسسها وموجباتها الواجبة التحقق في البنيان الوسطي التي تتفاعل بالضرورة مع الاعتدال لتشكل الجسد الواحد المرصوص من جميع جوانبه القادر على المصاهرة والتكوين للنموذج المتكامل الأبعاد الذي يتطلع إليه شرفاء القوم ونجبائهم لكي يكونوا القدوة الحسنة التي ترمز في مناظيرها إلى عوامل اكتمال ماهية الوسطية واعتدالها.
فأن هذه المعادلة ليست بعيدة المنال أو صعبة التحقق بل أنها في متناول يد كل من يسعى الى عمل الخير وحسن الثواب والرفعة المرموقة والسمعة الرفيعة وضمان مرضاة رب العزة سبحانه وهي أسمى الغايات وأنبل المهمات وأكثرها رفعة ومكانة وسؤددا لا تضاهيها أي صفات أخرى موصوفة في بطون صفحات الأولين والآخرين ولن ترقى لها أي موسومات من الإعمال مهما كانت صالحات, لأنها من حيث رضاء الخالق جل وعلا لا تعلو عليها إلا النوايا الطاهرة الزكية النقية بمضامينها وبواطنها وخفاياها لا يعلم بها إلا خالقها وبارئها وهو وحده الذي يرضاها ويزكيها ويوجهها الى حيث صالح البشر ونفعهم العام كان أم الخاص . فأن هذه المهمة الإلهية لا يؤديها ويتقن فعلها إلا المعتدل الوسيط الذي نهل من مناهل الرحمن كل أسباب المعرفة الصافية في نقائها والمخزونة داخل الصفحات المبجلة لكتابه العزيز وسنن نبيه الأكرم ومن يحاول التعرض لها أو المساس بها سواء بالتغليظ غير المسند إليها كمراجع وحيدة أو الاستئثار الإيحائي غير المسوغ شرعا كأن يأخذه الوهم في التفسير العشوائي بموجب معطياته المعرفية الضيقة بأصول المسائل الفقيه والشرعية، ويجيز لنفسه التلاعب بالمفاهيم الإيمانية كيف ما يحلو له عندها يفقد شرعيته في موازين الاعتدال والوسطية، ويذهب بعيدا من حيث ارتكاب الآثام والخطايا التي لا تغتفر قطعا إلا بأذنه سبحانه وتعالى، وبالتالي يكون من الخاسرين وربما الملعونين لأنه احدث ضررا جسيما بدينه والعباد الصالحين.
إن الاعتدال بموجب الذكر الحكيم الوارد في وحدة موضوعنا يصبح من القيم الربانية واجبة الإتباع فعلى الإنسان الراسخ إيمانه الالتزام بها والامتثال الى حكمته حين قال وجعلناكم امة وسطا , فلا يجوز الاجتهاد خارج هذه المقاصد الإلهية لأي نص من نصوص القرآن في التشديد، أو الإفتاء، أو التفسير، ولأي عبد كان أو يكون إلا من امتلك الخزائن المعرفية الشاملة في القضايا الفقهية والشرعية.
هنا نجد رجال الدين الممتلئون هم وحده الذين يدعون الى الاعتدال والوسطية كونهم متعمقون ومتبحرون بالأصول والفروع والفروض الإيمانية.
إذن الاعتدال والوسطية يرمزان الى كفاءة رجل الدين ومعيار قدرته على إحقاق الحق والتحلي والرضوخ بما أوصى به خالقه سبحانه.

اكاديمي عراقي