الاعتكاف… عزلة مشروعة لتربية النفس وتهذيبها رمضان شهر الفضائل - 14

0 117

إعداد – رحاب أبو القاسم:

شهر رمضان، تفتح فيه أبواب الجنات، وتضاعف فيه الحسنات، جعل الله صيامه أحد أركان الإسلام، فيه ليلة خير من ألف شهر، لذلك يغتنم المسلمون هذا الشهر للتقرب من الله وتطهير النفس وتهذيبها، فيتسابقون إلى الطاعات والعبادات والخيرات، إنه بحق شهر الفضائل.

يلجأ البعض إلى تكثيف العبادة في شهر رمضان والتفرغ الكامل لها خصوصا في العشر الأواخر، والذي يسمى بالاعتكاف، أو بالمكوث في المسجد بنية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ليل نهار، لقوله سبحانه وتعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). والتفرغ يكون من خلال الصلاة والخشوع في ركعاتها، وتلاوة القرآن وتفهم آياته، والدعاء المتواصل لرب العالمين، هذا تمثلًا بنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث كان دائم الاعتكاف في العشر الأواخر من الشهر الكريم، للحديث الشريف عَنْ أبي هُريرةَ، قالَ: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشَرةَ أيَّامٍ، فَلَمًا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبًضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشرِينَ يَوْمًا.
والاعتكاف عبادة قديمة حيث وجدت في عهد نبينا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، لقوله سبحانه وتعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ. وهو من السنن لحرص نبينا الكريم على القيام به.عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّه عنْها، أَنَّ النَّبيَّ عليه أفضل الصلاة والسلام كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزواجُهُ مِنْ بعْدِهِ.
ويزداد ثواب الاعتكاف في رمضان وتزداد مرتبته، حيث ينتقل من مرتبة السنة إلى مرتبة السنة المؤكدة، يرجع هذا إلى أن الاعتكاف في هذا الشهر الكريم لا ينصب على الصلاة وقراءة القرآن الكريم والدعاء والذكر، والخلوة مع النفس فقط، بل يكون مقترنا بعبادة أخرى وهي عبادة الصيام المفروضة على المسلم، والتي تتحقق بالبعد عن شهوات الدنيا ومتاعها من طعام وشراب وخلافه، والبعد عن فعل الذنوب، وترك المعاصي وعن كل ما يغضب الله، حيث يصبح المعتكف في حالة صفاء تام مع النفس، وباجتماع هذه العبادات يتحقق هدف المعتكف من التقرب من الله سبحانه وتعالى، أملًا في رضاه ومحبته.
ويصبح الاعتكاف واجبًا لمن أراد طاعة الله سبحان وتعالى لقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام : من نذر أن يطيع الله فليطعه. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك.
ومن فضل الاعتكاف في العشر الأواخر في شهر رمضان، أن المسلم يأمل في ثواب ليلة القدر والحصول على ثواب مضاعف، مع ثواب الاعتكاف والصيام، في ليلة لا تتكرر إلا مرة كل عام، وينتظرها المسلمون أجمع من كل بقاع العالم، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ، أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ.
كما أن وعد الله سبحانه وتعالى بمضاعفة الثواب في شهر رمضان الكريم، فيه حث وترغيب للمسلم على القيام بالمزيد من العبادات، ومنها الاعتكاف والاجتهاد فيه والجمع بينه وبين فريضة الصوم لقول إبراهيمُ عليه الصلاة و السلام: تسبيحةٌ في رمضان خيرٌ من ألف تسبيحةٍ فيما سواه، والاعتكاف من أجلِّ الأعمال في رمضان.
والاعتكاف يجب أن لا يقل عن ثلاثة أيام بل يزيد، وهو ليس مقصورًا على الرجل فقط، بل يصح للصبي المميز، والمرأة أيضًا بشرط استئذان زوجها، وأن تقوم بهذه العبادة في مكان خاص بالنساء دون الرجال، لفعل عائشة وحفصة وزينب في عهده صلى الله عليه وسلم؛ قال أحمد رضي الله عنه: يعتكفن في المساجد ويضرب لهن فيه بالخيم.
واعتكاف الرجل يكون في المسجد مع عدم الخروج منه إلا للضرورات، حتى لا يبطل، مثلما كان يفعل الرسول الكريم، ولقول سبحانه وتعالى: وأنتم عاكفون في المساجد. هذا بخلاف المرأة فيجوز أن تعتكف في منزلها.

You might also like