الاكتئاب … حين يصبح وباء

0 108

ترجمة – احمد عبدالعزيز:

أصبح الاكتئاب وباء عالميا. وهو العامل الرئيس وراء حالات الانتحار، فهناك مليون منتحر سنويا في جميع أنحاء العالم. وفي الاحصائيات الأميركية ما يدل على أن واحدا من بين كل أربعة أميركيين يعاني من الاكتئاب الإكلينيكي” السريري”، ويتزايد المعدل مع كل جيل من الأجيال المتعاقبة.
الاكتئاب يسرق النوم من الناس ويبدد طاقاتهم ويضعف تركيزهم كما يضعف الذاكرة ويهدد النشاط الجنسي. ويفقد المرء قدرته الأساسية في الاستمتاع بالحياة. وكما يقول ستيفن إلداري مؤلف كتاب” علاج الاكتئاب”: “يمكن للاكتئاب أن يدمر رغبة المرء في الحب وفي العمل وفي اللعب حتى يصل إلى فقدان رغبته في الحياة. إذا تركنا الاكتئاب من دون فحص وتشخيص، فقد يسبب تلفاً دائماً في المخ. فهو يشعل دوائر الألم في الدماغ لدرجة أن ضحايا هذا المرض النفسي أطلقوا عليه “عذابًا ومحنة مضنية “ما يجعل الكثيرين ينظرون إلى الموت كوسيلة مرحب بها للهروب من هذا الشقاء “.
لكن الاكتئاب ليس مرضًا طبيعيًا. وليس أمرا لا مفر منه، فهو مرض حضاري. إنه ناجم عن نمط حياة يتميز بالضغوط الشديدة لمجتمعاتنا الحديثة والصناعية وهو لا يتناسب مع تطورنا الجيني.
الاكتئاب نتيجة استجابة طويلة للإجهاد. استجابة الإجهاد الجامح في الدماغ، وهي تشبه استجابة ” قاتل أو اهرب “، التي تطورت لمساعدة أسلافنا عند مواجهة الحيوانات المفترسة أو غيرها من المخاطر الجسدية. وتتطلب استجابة الإجهاد الجامح نشاطًا جسديًا مكثفًا لبضع ثوانٍ، أو بضع دقائق، أو – في الحالات القصوى – بضع ساعات.
المشكلة أن الاستجابة للضغط تستمر لأسابيع، أو أشهر وحتى سنوات في كل مرة.
إن العيش في ظل ظروف مرهقة بشكل متواصل – مثلما هو حال العديد من البشر المعاصرين – يزعزع الكيماويات العصبية المهدئة والتي تحدث السرور مثل الدوبامين والسيراتونين، الأمر الذي قد يؤدي إلى اضطرابات النوم، وتلف الدماغ، والضعف المناعي الذي يقاوم لالتهاب.
الحضارة هي المرض:
حدد علماء الأوبئة الآن قائمة طويلة من الأمراض الأخرى المرتبطة بالإجهاد والتي يطلق عليها “أمراض الحضارة” مثل: السكري، وتصلب الشرايين، والربو، والحساسية، والسمنة، والسرطان. وهذه الأمراض منتشرة في جميع أنحاء العالم المتقدم، لكنها غير موجودة فعليًا بين الشعوب الأصلية التي لم تطرق بابها ويلات العصر الحديث أو أنها لم تلحق به.
في دراسة أجريت عام 2000 على السكان الأصليين ( الكالولي )من بابوا في غينيا الجديدة، تم العثور على حالة هامشية واحدة فقط من الاكتئاب. “لماذا ؟ لأن نمط حياة هؤلاء الكالولي يشبه إلى حد كبير أسلوب حياة أسلافنا الذين اعتمدوا في حياتهم على الصيد والجمع والالتقاط، وهو الأسلوب الذي استمر لما يقرب من مليوني عام قبل ظهور الزراعة.
كان نحو 99.9 في المئة من التجارب البشرية يدور في سياق الصيد والجمع ومعظم ضغوط الاختيار التي شكلت الجينوم الوراثي لدينا تكيفت بشكل جيد مع تلك البيئة، ومع هذا الأسلوب للحياة.
خلال 3 ملايين سنة من وجود البشر بدأ الإنسان الماهر أولا استخدام الأدوات الحجرية، ثم شهد جنسنا تغيرًا بيئيًا سريعًا منذ ظهور الزراعة قبل 12000 عام. وخلال الـ200 سنة الماضية، منذ الثورة الصناعية، كان على جنسنا أن يتعامل مع طفرة بيئية جذرية.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.