الاكتفاءُ الذاتيُّ غذائياً ودوائياً ضرورة

0 294

ثمة إجماع على أن جائحة “كورونا” غيَّرت العالم، وبدلت أولويات الشعوب والدول، وما كان في الماضي مجرد ترف أو شعارات للاستهلاك السياسي أصبح اليوم ضرورة.
لعقود طويلة كانت مسألة الأمن الغذائي والصناعي والاكتفاء الذاتي، مجرد حبر على ورق في بيانات الحكومات وخطط غالبية الدول، بل إن معظمها استغنت عن هذه الحاجة المُلحة بعدما وقعت في فخ إغراء استيراد منتجات غذائية وطبية رخيصة الثمن ولا تتطابق مع المواصفات العالمية، في وقت تقدم التجار والمستوردون على الصناعيين والمزارعين، وأصبحت لهم الكلمة العليا حتى في توجيه السياسات الاقتصادية للدول.
اليوم يواجه العالم امتحان الحقيقة في ما يتعلق بالاكتفاء الذاتي، إذ فجأة جعلت هذه الجائحة ما كان غير مهم في السابق أصبح حالياً الهم كله، ولسنا نبالغ إذا قلنا إن أزمة بسيطة واجهتها الكويت قبل سنوات قليلة مرت مرور الكرام ولم يتعلم أحد الدرس منها، هذه الأزمة كانت، للأسف، متعلقة بالبصل وشحه في الأسواق وارتفاع سعره، فماذا حصل؟
خضعت الحكومة لتجار البصل والخضار الذين يُشكلون مافيا يتحكمون بكل المواد الغذائية، يستوردن من الخارج ويغرقون الأسواق تارة، وأطوارا يحتكرون تلك المواد ليرفعوا أسعارها، وفيما لم تعمل الحكومات المتعاقبة على تشجيع المزارعين المحليين، استيقظت في الأيام القليلة الماضية على أزمة بصل، فهل يعقل هذا، بينما هناك مزارعون كويتيون كانوا يرمون محاصيلهم في الشارع لأن المافيا أغرقت الأسواق؟
حين وزعت الحكومات المزارع على المواطنين كان الهدف استزراعها سعياً إلى الاكتفاء الذاتي غذائياً، لكن بدلا من ذلك تحوَّلت فللا وقصورا، ومنتجعات، ولم تؤدِّ الهدف المنشود منها، كذلك الأمر مع جواخير الماشية، التي تحوَّلت أيضا استراحات، فيما زاد في المقابل الاستيراد من الخارج، من حبة الطماطم إلى الماشية.
صناعيا لم يكن الأمر أفضل، فالصناعيون حوربوا إلى حد الخنق، لأن تاجراً استطاع رشوة مسؤولين في مؤسسات الدولة، فوضعوا المواصفات المتماشية مع سلع الراشي، وليس ما تحتاجه البلاد، ولم يشجعوا الصناعات المحلية، خصوصاً مصانع المستلزمات الصحية والطبية قليلة العدد في الكويت، وعمد المستوردون الى رشوة مسؤولين، بل وزراء بعينهم، وعلى مر العقود، كي يمنعوا الاستعانة بإنتاج تلك المصانع.
هذه الحقيقة لا تزال، للأسف، غائبة عن بال كثير من المسؤولين والمخططين وصناع القرار في الدولة، لذلك وقعنا تحت أعباء كثيرة في عملية التصدي لفاشية فيروس “كورونا”، وهي امتحان كبير إذا اعتبرنا منها، وإلا ستمر علينا ككابوس في يوم قائظ، وليس حلم ليلة صيف، وسنعود سيرتنا الأولى.
عندما خضعت دولة قطر لامتحان المقاطعة من الدول الأربع، كثر الحديث عن أنها ستجوع، ولن يجد شعبها ما يأكله، غير أنها لجأت إلى إنشاء مشاريع إنتاجية غذائية، ومزارع ماشية وغيرها، واكتفت في الأجبان والألبان والمواد الغذائية، كما عقدت تحالفات اقتصادية وعسكرية، لحماية نفسها، وتغلبت على الأزمة، ولم يشعر القطريون بأي نقص في المواد الغذائية، أو الأدوية.
هذه كانت أيضا فرصة لتعلم الدرس، بل حالياً نشهد دولاً كبرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية، تلجأ إلى دول أصغر منها تستجديها للحصول على مستلزمات طبية، فيما كانت تمارس معها سياسة السيد والتابع في الماضي، بل لجأت إلى مصادرة شحنات الأقنعة الواقية، وأجهزة التنفس الاصطناعي، لأنها لم تهتم بهذا القطاع الصناعي، وهي ليست وحيدة في هذا الإطار، فهناك الكثير من الدول تصادر شحنات طبية، كما فعلت تركيا والمكسيك وغيرها… وغيرها، وكأن العالم كله يقول: أنا ومن بعدي الطوفان.
حتى اليوم يبدو الأفق مسدوداً، وليس هناك أي مؤشرات على انتهاء هذه الجائحة في القريب العاجل، وبالتالي أليس متوقعاً مثلاً أن تمنع الدول تصدير الأغذية والمستلزمات الصحية بحجة أنها بحاجة لها لحماية شعوبها؟ فماذا ستفعل دول “مجلس التعاون” الخليجي التي لم تدخر مزارعها الخضراء لهذه الأيام السوداء؟ هل ستتعلم الدرس وتعيد النظر بالمزارع والمصانع وتشجع الإنتاج المحلي، أم سيبقى التجار والمستوردون يَرْشون المسؤولين في الوزارات، وكأنك يا بوزيد ما غزيت؟ ألم يحن الوقت لتحكيم العقل، وتغليب المصلحة العُليا للوطن على المصالح الشخصية؟

أحمد الجارالله

You might also like