الانتحار… كابوس عالمي جديد ضحاياه 800 ألف شخص كل عام

0 13

القاهرة – نورة حافظ:

تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن الانتحار بات ظاهرة عالمية، تحدث في كل البلدان المتقدمة والنامية، المرتفعة الدخول المعيشية والمنخفضة، اذ تسجل حالة انتحار كل 40 ثانية حول العالم، 800 ألف شخص يلقون حتفهم سنويا انتحارا. كما سجلت المنظمة أن الفئة العمرية من 15- 29 هي الأعلى نسبة في الانتحار، وأن الرجال أكثر انتحارا من النساء بنسبة 78 في المئة بالبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، لافتة إلى أن نسبة الانتحار ارتفعت بين الفئات المهمشة، التي تعاني اضطهادا عنصريا. وأن المبيدات الحشرية تأتي بنسبة 30 في المئة كأعلى وسيلة للانتحار، ثم الأسلحة النارية، يليها سائر الطرق الأخرى.
عن أسباب الانتحار، دوافعه، مدي ارتباط الأزمات المالية بالانتحار، كيف نمنعه، اجرت «السياسة»، هذا التحقيق.
يقول الدكتور أمجد أحمد جبر، استشاري الأمراض النفسية والعصبية وعلاج الادمان: المنتحر شخص تصرف عمدا لانهاء حياته، بسبب خليط من المشاعر التي تختلج في نفسه وتدفعه لذلك، منها، مشاعر العزلة والاكتئاب، الشعور بألم نفسي لا يمكنه الخلاص منه سوي بالانتحار، تراه بعض المدارس بكاء رمزيا، طريقة للفت النظر، أحيانا الاحتجاج. ويأتي الاحباط في مقدمة دوافع الانتحار، يليه المرض العقلي وتحديدا مرض الانفصام، تعاطي المخدرات والخمور بسبب جرعة زائدة، الا أن المتعاطي لا تكون لديه رغبة في الموت، هناك أيضا الرغبة الفلسفية في الموت التي تستند إلى سبب منطقي، اذ يكون الدافع، الرغبة في التخلص من الآلام، مرض مزمن لا أمل في شفائه فيلجأ المريض إلى فكرة الموت الرحيم، كذلك لا يمكن اغفال الأزمات المالية كسبب قوي للانتحار.
ويعتبر الشباب الأوفر عددا، الاكثر استعدادا لفكرة الانتحار من الكبار، لتعرضهم لتغيرات في النمو الذي يصاحبه في أحيان كثيرة اضطرابات أسرية، مجتمعية، كليهما معا، اذ يرسخ لديهم الشعور بالفشل في التعاطي مع الواقع فيحدث الصدام. كذلك تؤثر التجارب العاطفية بشكل كبير على الرغبة في الانتحار.يزيد الأمر سوء اذا اقترن بتعاطي وادمان المخدرات، لأنها تورث مدمنها ومتعاطيها أمراضا نفسية مزمنة، منها، الاكتئاب، الاضطراب الوجداني، الذي يصعب معه الانخراط في المجتمع، فتكون العزلة هي البديل وأحدي مقدمات الأفكار الانتحارية. مشيرا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا رئيسيا في تعزيز تلك الوحدة والتواصل عبر هذا العالم الافتراضي، لأنه يفتقر إلى المشاعر الانسانية والأداء الايجابي للعلاقات الانسانية، بجانب التعرض إلى قدر هائل من الأخبار السيئة عبر هذه الوسائل، ما يفقد المتعرض ثقته في الدنيا الحقيقية وكيفية التعاطي معها. موضحا أن الاحصائيات أثبتت تفوق أعداد الرجال في تنفيذ قرار الانتحار، بينما النساء يتفوقن في الميول للانتحار لتركيبة المرأة خصوصا الشخصيات الحدية المتقلبة المشاعر أما الحل فانه يكمن في الأسرة وتماسكها ودفئها، لأن الأسرة هي حائط الصد ضد كل المخاطر والاحباطات التي يتعرض لها أي فرد فيها، خصوصا أن الانتحار لا يأتي بين يوم وليلة، لكن تسبقه أعراض، يمكن للأسرة أن تنتبه لها، لعزلة عن الجميع، حتى من يحبهم، الافكار الضلالية، الاعتقاد أنه يستحق الموت، الميل إلى الكسل، كره الطعام، قد ينشر على صفحته على فيس بوك ما يدل على أنه مقبل على هذه الخطوة، الاهمال في مظهره، وهذه الأعراض وجد أنها تقل داخل الأسر المتماسكة المترابطة، التي تحسن تربية أولادها في جو من الدفء، الصراحة، الاحترام، التشجيع، بعيدا عن العنف، التخويف، العقاب الظالم. والغريب أن الكثيرين ممن ينتحرون لا يكونون جادين بالفعل، اذ تكون لهم مآرب أخرى من التهديد بالانتحار، أو الاقدام عليه، مثل، عقاب من حولهم، الحصول على مزيد من الاهتمام، فيلجأون جهل إلى وسائل قد تودي بحياتهم فعلا، مثل، تناول جرعات زائدة من المهدئات والمخدرات، لذا يجب على كل أسرة أن تعمل على ألا يصل أحد أفرادها إلى هذا المصير، أما اذا تم الانتحار وفشل، فيجب أن يخضع هذا الشخص لمراقبة مستمرة، علاج، معرفة ان كانت لديه ميول جديدة له أم لا، طلب الدعم من جمعيات وروابط دعم الأسر، لأنها تقدم المعلومات الصحيحة، علاوة على الدعم المادي والمعنوي.

علاقة وطيدة
عن دور الجامعة في الحد من ظاهرة الانتحار توضح الدكتورة تغريد محمد طه، الأستاذ المساعد، كلية التربية النوعية: لا يقل الدور التربوي للجامعة مع الطلبة أهمية عن الدور العلمي، لأن الأساتذة مسؤولون عن تقديم النصح والارشاد بشكل غير تقليدي، بلا وصاية على الشباب، الذي يعاني من أكبر مشكله تواجهه، اذ لا يجد من يسمعه أو يحل له مشكلاته، مطالبة بضرورة خضوع الطلبة الجدد للاختبارات من جانب أساتذة علم النفس، الذين لهم القدرة على قياس قدرات الطلاب، الخروج بمؤشرات عن حالتهم النفسية والعصبية. كما يجب توجيه الطالب إلى العلاج النفسي، اخبار أسرته في حال ملاحظة سلوك غريب عليه مثل الانطواء، الانعزال عن زملائه ومجتمعه الجامعي.
تضيف : من النادر أن نجد طالبا له هواية، استطاع المرض النفسي أن يستولي عليه أو يذهب به إلى الانتحار، مثل الموسيقي وغيرها، لهذا لم يغفل البحث العلمي أثرها على الصحة النفسية حيث ترقق الاحساس، تخرج من النفس الطاقة السلبية، تبدلها بطاقة ايجابية، تمكن الانسان من مواجهة مشكلات الحياة، الاحباط.مشير إلى أن العلماء استحدثوا مؤخرا «بروتوكولات العلاج النفسي»، باستخدام الموسيقي للاستفادة بما تحدثه من توازن عصبي، مسؤول عن تحسن المزاج، اعتدال السلوك، اعطاء الدافعية للحياة، تحسين القدرة على التحصيل العلمي، استبعاد العنف الموجه إلى النفس والآخرين، استبعاد فكرة الانتحار كلية.

كن ايجابيا
يؤكد محمد الفايد، الخبير والمعالج بالطاقة، أن فكرة الانتحار في حد ذاتها، فكرة مخيفة، يجب ألا يخضع المجتمع لها، بل يجب مكافحتها بنقل الفكر السوي الذي يعتمد على الطاقة الايجابية بديلا عن السلبية. مشيرا إلى أن الفرد أيضا مسؤول عن تنمية هذا الفكر في ذاته وأسلوب حياته، خصوصا أنه لا يوجد أتعس من شخص يملك فكرا سوداويا، لا يريد أن ينظر إلى اي نواحي ايجابية في حياته، عبوس معظم الوقت، ينظر للمشكلات على أنها بلا حل، حياته جحيم، بالتالي فهو مرشح بقوة للعزلة والمرض النفسي، وصولا إلى الميول الانتحارية وربما الانتحار.
يضيف: علينا أن نتخلص من الطاقات السلبية، بالتحكم في مشاعرنا، فالمثبطات التي تجعلنا غير سعداء تشكل 10 في المئة ما لا نستطيع تغييره، لكن لدينا 90 في المئة من المشاعر الداخلية التي نستطيع التحكم في عدم انفجارها، لأن الانفجار يوقعنا في الخطأ، نعبر عن نفسنا بشكل سيء، بالتالي يجب ألا نستسلم لهذه المشاعر السلبية، بل نقاوم، عند ذلك سنشعر براحة كبيرة لعبور المواقف بلا خسائر تذكر، كما يجب أن نبدل الافكار السلبية بأخرى ايجابية، لا أن نكافح النار بالنار، ، لذلك يجب اعلاء قيم التعامل السلمي مع الآخرين، من الرائع أن نتمرن على جلسات الاسترخاء، لنستعيد نشاطنا وحيويتنا، نساهم في تنمية الشخص الايجابي بداخلنا، لأن استنزاف الطاقة في تفكير أو تصرفات سلبية سيكون له مردود سيء علينا، ساعتها لن يساعدنا أحد.

وسائل الاعلام
يشير خالد حسام، الباحث الاعلامي إلى أن التكنولوجيا عقدت حياتنا بشكل كبير، لكن ها سهلت تدفق المعلومات، ففي الوقت الذي كانت الجرائد تنشر خبر انتحار عاطل أو فتاة بسبب أزمة عاطفية باعتبار ذلك شيئا غريبا،، الآن أصبح الانتحار يمثل ازعاجا بأرقامه المتزايدة، بل يتم توثيقها أمام الجميع، فمثلا هناك شاب من المنتحرين بمحافظة المنيا، كتب على حسابه الشخصي ب»فيس بوك»، أنه ذاهب لينتحر، ثم ألقي بنفسه في النيل ليلقي حتفه، وهناك غيره كثيرون وثقوا هذه اللحظة دون أن تؤخذ كلماتهم بجدية.
يتابع : يجب على القائمين على الدراما، عدم التوسع في مشاهد الانتحار وطرقه، لأن لذلك تأثيرات بالغة على المراهقين وضعاف النفوس، فقد يلجأون إلى التقليد فيكون الثمن حياتهم، كما أن تطبيق سياسات الحد من الكحول، علاج الأمراض المزمنة، التعافي من الادمان، كلها تصب في مصلحة تقليص نسب الانتحار. أيضا الدعم المجتمعي وتوجيه المحتوي الاعلامي من أجل توعية الشباب بأن العلاج وحل المشكلات، هو البديل للانتحار، كذلك دعم الأسر التي تضم أفرادا لديهم ميول انتحارية، ربط المجتمع بشبكة اتصالات لتقديم المشورة للجميع بشأن محاولات الانتحار، مثل، الخط الساخن، حسابات التواصل الاجتماعي، التليفزيون، الراديو، الصحف، مع مراعاة عدم تجاهل الأمر الذي بات خطيرا.

كثرة الفتاوى
يقول الشيخ والكاتب الاسلامي محمود المصري: توجد فتاوى تحكم على المنتحر بأنه كافر، ولا أدري من أين تحقق أصحاب تلك الفتاوى بذلك، لأن الكافر هو من ينكر وجود الله، واذا كانوا يستندون إلى حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، « من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها»، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يجب عليهم قبل اصدار فتواهم معتمدين على هذا الحديث أن يسألوا أهل العلم والتخصص، لأنهم لو سالوا لعرفوا أن الخلود المقصود في الحديث لا يقصد به الأبدية، لكن المقصود طول المكث والاقامة، الخلود الأبدي هو للكافرين وليس المؤمنين، أن الحكم هنا بين أمرين، منتحر يائس من رحمة الله فهذا كافر، أما من يأس من رحمة البشر أو خاف من أمر دنيوي مثل سجن، عذاب، مشكلات عظيمة، غير ذلك، فانه مرتكب كبيرة، وفي هذا الصدد أيضا، يقول أهل السنة والاعتدال، مثل، الامام النووي، أنهم في مشيئة الله، ان شاء عذب وان شاء غفر. كما أن الله تعالى يقول «لا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما «، صدق الله العظيم، اذن فأن رحمة الله سبقت غضبه، لهذا تجب الصلاة على المنتحر، ويغسل، يكفن، وندعو له بالرحمة والمغفرة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.