ثورة الرسم في بدايات القرن التاسع عشر

الانطباعية وتأثيرات الضوء والحركة ثورة الرسم في بدايات القرن التاسع عشر

كتب – جمال بخيت:

عندما رسم الفنان العالمي كلود مونيه لوحة تأثير الشمس الطالعة عام 1872 وهي لوحة زيتية موجودة في متحف مارموتان (باريس) كان ذلك اعلانا بانطلاق الانطباعية او التأثيرية كما يدل عليها اسمها, والاسم مأخوذ من التأثيرات (تأثيرات الضوء – تأثيرات الحركة). لقد احدث الانطباعيون ثورة في عالم الرسم, وقدموا تجارب جديدة قبل عام 1900 بقليل.
في غضون القرن التاسع عشر, ساهم التطور الصناعي بتقريب المسافات وعجل في الوقت وتغيرت المشاهد الطبيعية ولم يعد الناس ينظرون اليها كما كانت في السابق, لقد اظهر الانطباعيون جماليات العالم على الدوام بلوحات واعمال فريدة من نوعها.
ويظل التساؤل: اين نشطت وظهرت جماليات هذا الفن ومدارسه? لقد اظهرت كل الكتب التي وثقت الحركات الفنية في العالم انه ومنذ عام 1820 بدأ الفنانون في فرنسا وانكلترا يهتمون بالطبيعة وذلك بفضل اكتشاف انابيب الرسم المعدنية, المهيأة والسهلة الحمل, التي حلت محل الالوان القديمة التي كانت تصنع باليد, ابتداء من الزيت والمساحيق الملونة, فاصبح في مقدور الفنانين ان يتركوا مشاغلهم ليعملوا على الوقائع في الهواء الطلق, وكان عليهم ان يعملوا بسرعة لان حركة الشمس تعدل الضوء, وتغير الوان الوقائع, وغالباً ما كانوا يضعون الدهان مباشرة الى اللوحة من الانبوب, فيحصلون على ألوان صافية ومدهشة من تأثيرات المعجونة.
في عام 1870م اجتمع عدد من هؤلاء الفنانين في الضاحية الباريسية, انهم الانطباعيون الجدد وكانوا قريبين من مانيه (1832-1883) فواجهوا مثله عداوة اعضاء لجنة الصالون الذين يرفضون اعمالهم باستمرار فاجتمعوا هم كذلك ونظموا بانفسهم معرضاً مستقلاً, لكن هذه المبادرة التي جرت عام 1874 انتهت بهم الى كارثة الصحافة التي تجاهلت الحدث او سخرت منه, فبيعت اعمال قليلة لم يقبل الفنانون في بادئ الامر بلقب “الانطباعيين” الذي اطلقه عليهم احد الصحافيين السيئ النيئة ولكنهم اعادوا التجربة في معرض مستقبل عام 1876, حينها بدأت العيون تتأمل وتقبلهم المتلقي واصبح لهم جمهور بداية القرن التاسع عشر بفضل انتقادات الصحافة الفنية لاعمالهم وتجار اللوحات.
ادغار ديغاس (1834-1917) هو احد النحاتين الانطباعيين النادرين لقد نحت من جملة ما نحت الراقصة ذات الاربعة عشر ربيعاً, بدأ حياته اولاً برسم الطبيعة كما هو حال الانطباعيين الاخرين امثال رينوار ومونيه عندما رسم مرات عدة كاتدرائية روان وقدم الانطباعيون العديد من الاعمال ذات الطابع الخاص التي ظلت على مدى التاريخ علاقة توثق ابداع هذه المدرسة الفنية في العالم.
يمنح الانطباعيون اللون والضوء اهمية كبرى على حساب الرسم والحجم مع اختفاء حدود الادوات, والتباين المضيء المظلم وقد اثر هذا الاسلوب الجديد على فنانين عديدين امثال الاميركية ماري كسات (1844-1926). ان الانطباعيين بتقديمهم المناظر الطبيعية والاشكال بنقاط من الالوان اوصلوا الشك في صلابة الاشياء وتماسكها وبدا ان العالم يذوب في غيمة مضيئة, لكن ردة فعل فرضت نفسها, فالرسام لا يمكنه ان يكتفي بالانطباع, والرسم الذي ينظم اللوحة ضروري ومنذ اواسط السنوات 1880 حدد بعض الفنانين المرتبطين بالانطباعية نزعات جديدة واكثروا من المجموعات واماكن العرض.
أراد بول غوغان (1848-1903) ان يكون شبيهاً بكل ما يسميه البدائي اي ان يكون انساناً بعيداً عن العالم الحديث وعن العصر الصناعي, فاهتم بفن البلدان البعيدة وبنوع خاص بالفن الياباني, وبعد ذلك بالفن الشعبي الفرنسي وفي تحول اخر اعلن بول سيزان (1839-1906) انه يريد ان يصنع من الانطباعية شيئاً قوياً مثل فن المتاحف, وطوال حياته حاول سيزان في الواقع ان يوفق بين رسم اكثر اهتزازات الضوء دقة مع بناء قوي وجاءت رسومات ناعمة الالوان كثيراً.