الانعكاسات الإقليمية الإيجابية لاتفاق نووي أميركي – إيراني إدارة أوباما تجهد للتوصل إلى اتفاق مع إيران لكن الصقور يعرقلون مساعيها

بقلم – بول بيلار
عادت المفاوضات بين إيران ومجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن, بالإضافة إلى ألمانيا, حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني إلى واجهة الأخبار بعد ان حجبت إلى حد كبير بسبب المهام والأحداث الديبلوماسية الأخرى على مدى الشهرين الماضيين. سيشارك الجانبان مشاركة كاملة في المحادثات خلال الفترة المتبقية من هذا الشهر وصولاً للموعد المستهدف في أواخر نوفمبر لاستكمال الصفقة.
نسمع مرة أخرى تفاصيل فنية وعددية حول أجهزة الطرد المركزي والقدرة على تخصيب اليورانيوم تمثل جزءاً كبيراً من الحاجة إلى حل واتفاق نهائي. لكن أهمية هذا الاتفاق, وبالتالي ما هو على المحك في وجود هذا الاتفاق أو عدم التوصل إليه, تتجاوز ما هو أبعد من تلك التفصيلات النووية, بل تمتد إلى قدرة الولايات المتحدة على معالجة الكثير من المشكلات بصورة كاملة وفعالة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
خلال الأسبوع الماضي أصدر »مشروع إيران« – وهو مجموعة بقيادة سفراء للولايات المتحدة سابقين تعمل على دعم المصالح الأميركية من خلال الديبلوماسية بشأن المسائل المتعلقة بإيران – تقريراً عن الآثار الإقليمية المحتملة لاتفاق نووي مع إيران. وقد شاركت شخصياً مع مجموعة مشروع إيران, كما شاركت في إعداد التقرير. صادق على التقرير ووقع عليه نحو ثلاثين رجلاً بمن فيهم مستشارو الأمن القومي السابقين وغيرهم من كبار المسؤولين السابقين.

انعكاسات الاتفاق الأميركي – الإيراني

ثمة فرضية في التقرير تقول إن اتفاقاً نووياً ناجحاً يحل القضية التي هيمنت لسنوات على العلاقة الأميركية – الإيرانية على وجه الخصوص, من المرجح أن يكون له انعكاسات أخرى في الشرق الأوسط. لأن ذلك من شأنه أن يفتح جزئياً آفاقاً في العلاقة الأميركية – الإيرانية وهذا بدوره قد يوجد مشكلات أخرى ذات اهتمام مشترك. بل أيضاً – سيكون الوضع عرضة لآثار ثانوية تنطوي على علاقات تلك الدول مع إيران.
عند توقيع أي من هذه التغييرات الإقليمية, من المهم التمييز بين المصالح الفعلية وبين السلوك المرجح بعد الاتفاق الذي قد تدعي بعض الأنظمة بمكر تأثيره اليوم.
هذه الحال تنطبق على إسرائيل, حيث يدرك الأذكياء ممن يشعرون بالقلق إزاء احتمال وجود سلاح نووي إيراني أن قلقهم من احتمال تحقيق اتفاق أقل بكثير من قلقهم جراء عدم عقد هذا الاتفاق.
إن الحكومة اليمينية في إسرائيل تفعل كل ما بوسعها لقتل الصفقة من أجل الحفاظ على وضع إيران في مأزق دولي ومن أجل الضغط عليها بصفتها منافساً على النفوذ الإقليمي وعلى اهتمام الولايات المتحدة, وكذلك من أجل تكريسها على أنها “بعبع” لأهداف مختلفة مثل صرف الانتباه عن أمور الحكومة الإسرائيلية التي لا ترغب في الحديث عنها.
وبدرجة أقل, هناك بعض الاختلاف بالنسبة لدول الخليج العربية خصوصاً المملكة العربية السعودية التي ظلت لفترة طويلة عرضة لسوء فهم بالنسبة لبعض التفضيلات فيما يتعلق بإيران. بالتأكيد عرف السعوديون إيران منذ وقت طويل كمنافس على النفوذ الاقتصادي والسياسي منذ أيام الشاه, ولكن السعوديين لهم أيضاً تاريخ من التقارب مع إيران, بما في ذلك في زمن الجمهورية الإسلامية.
الدولتان الكبيرتان في الخليج إلى جانب أصغر دول الخليج العربية, لها مصلحة متبادلة في توطيد الاستقرار في منطقتهم وضبطه لكي لا يخرج عن نطاق السيطرة, لأن ذلك يهدد, بين أمور أخرى, تجارة النفط. ومنذ أشهر ربما حفز عرب دول الخليج احتمال تحسن العلاقات الأميركية – الإيرانية, فحاولوا مرة أخرى التقارب مع طهران من جانبهم من خلال بعض الزيارات رفيعة المستوى.
لقد تطورت وجهات النظر الإيرانية الخاصة تجاه المنطقة بشكل كبير منذ السنوات الأولى بعد الثورة. فخلال الأيام الأولى للجمهورية الإسلامية, كان ساد رأي مفاده ان الثورة لن تبقى على قيد الحياة إذا لم تفرخ اضطرابات في البلدان المجاورة, لكن وبعد مضي ثلاثة عقود ونصف, عرف القادة الإيرانيون ان الحال ليست كذلك. صحيح انه لايزال هناك شعور بالتفاخر الإيراني – كان أكثر وضوحاً في عهد الشاه – بأن إيران دولة ذات تاريخ مجيد ويحق لها ممارسة دور قيادي إقليمي, ولكن الآن الهدف الإيراني الرئيسي صار يتمثل بالخروج من المأزق والتمتع بعلاقات كاملة وطبيعية مع بقية دول المنطقة. وهذا يعني كل المنطقة, وليس مجرد الهلال الشيعي. وكما يعلم الإيرانيون, هناك من السنة في هذه المنطقة أكثر من الشيعة.
بعض الأميركيين المتشددين المعارضين للاتفاق وضعوا المزيد من أوراقهم على الطاولة في الأشهر القليلة الماضية, واعترفوا بأن ما لا يريدونه ليس مجرد صفقة »سيئة« ولكن أي صفقة مع إيران. فبعد توقيع اتفاق مع طهران والبدء في رفع العقوبات, كما يقولون, ستمارس إيران المزيد من النفوذ في المنطقة كما لو ان ذلك بحكم الواقع سيئاً. ولكن سواء كان ذلك سيئاً أو جيداً أو محايداً, فهو يعتمد على ماذا سيستخدم ذلك التأثير, وعلى كيفية ارتباط الأهداف الإيرانية بمصالح الولايات المتحدة.

المصالح المشتركة الإيرانية – الأميركية

في الواقع, هناك مصالح متوازية واضحة تشترك فيها الولايات المتحدة مع إيران في المنطقة, وقد أصبحت للتو أكثر بروزاً مع تصاعد القلق من »داعش«. إن المصالح المشتركة هي الأكثر وضوحاً في الدول المجاورة مباشرة لإيران, إلى الشرق والغرب منها. إلى الشرق هناك أفغانستان, حيث بعد 11/9 وبداية عملية الحرية الدائمة, عمل مسؤولون أميركيون وإيرانيون معاً بشكل فعال جداً في إقامة نظام سياسي أفغاني جديد ومعتدل في ظل حامد كرزاي, إلى ان أغلقت إدارة جورج دبليو بوش الباب في وجه الإيرانيين من خلال الإعلان بأن إيران تشكل جزءاً من محور الشر. تستمر الولايات المتحدة وإيران في تبادل المصالح في استقرار أفغانستان على ألا يحكم متطرفون مثل “طالبان”, وعلى أن تحصل الأقليات الدينية والعرقية على حقوقها وكذلك احترام المشاركة في السلطة السياسية وعدم تصدير العنف, وتقليص تجارة المخدرات.
إلى الغرب في العراق, الهدف الرئيسي لإيران عدم قدوم نظام من شأنه, كما فعل صدام حسين في العام 1980, أن يشن حرباً عدوانية عليها مرة أخرى. الإيرانيون لا يريدون عدم استقرار لا نهاية له على حدودهم الغربية. ويريدون أن يحظى الشيعة العراقيون بسلطة تتناسب مع عددهم كأغلبية, في حين يدركون, كما يشير ترحيبهم برحيل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي, ان الحكم الطائفي الضيق والاستبدادي لا يخدم استقرار العراق ولا يخدم مصالحهم الخاصة. انهم يعارضون بالتأكيد صعود المتعصبين من السنة مثل »داعش«, كما يدل على ذلك دعم النشط جداً للحكومة العراقية ضد »داعش«. إن كل هذه الأهداف تلتقي مع مصالح الولايات المتحدة بل تدعمها.
وحول الموضوع الأخير, فإن إيران تساند مباشرة ما أصبح ينظر إليه في الولايات المتحدة كأولوية سياسية ملحة.

مَنْ الأكثر شراً.. إيران أم “داعش”؟

لابد أن يكون احتمال المزيد من التنسيق والاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران أو الحاجة إلى ذلك التنسيق واضحاً, وسيفتح الاتفاق النووي الباب أمام المزيد من مثل هذا التنسيق والاتصالات. لكن هذا لم يكن واضحاً, مع ذلك, بالنسبة لبعض أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ممن ساءلوا وزير الخارجية كيري الأسبوع الماضي وأرادوا أن يستوضحوا ويتأكدوا أن الولايات المتحدة لا تنسق مع إيران بشأن مواجهة »داعش«.
من الواضح ان بعض الأعضاء, مهما كانوا مندفعين بالنسبة لتدابير مكافحة »داعش« يعتقدون أن تدابير عدم التنسيق أفضل من التنسيق. بل إن أحد الأعضاء يقول إن إيران أسوأ من »داعش« أو أكثر شراً منها. إن هذه المواقف تضر مباشرة بمحاولات السعي لتحقيق مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
إذا نجح المفاوضون في التوصل إلى اتفاق, دعونا نقيم هذا الاتفاق بكل الوسائل وفقاً للغرض المعلن وهو التقليل من احتمالات صنع سلاح نووي إيراني, ودعونا نناقش ما إذا كان الاتفاق يحقق نتائج أفضل من عدم وجود اتفاق أصلاً. دعونا أيضاً نوازن بين اتفاق مقابل عدم اتفاق وفقاً لجميع المصالح الأميركية الأخرى في المنطقة التي قد تتأثر بتلك التسوية.
إن التحرك نحو تطبيع العلاقات الأميركية – الإيرانية سيكون خطوة تجعل من الممكن ممارسة الولايات المتحدة للديبلوماسية الإقليمية من دون أن تكون لنا يد مقيدة خلف ظهرنا لأننا خضعنا كثيراً للهاجس النووي مرة أخرى.

* زميل مركز الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون وزميل السياسة الخارجية في معهد بروكينغز.
* عن “ناشيونال انترست”

Leave A Reply

Your email address will not be published.