البحث العلمي والولاء الإعلامي بقايا خيال

0 105

يوسف عبدالكريم الزنكوي

ذكرت في المقالات السابقة ما إن تظهر على السطح أداة أو وسيلة إعلامية جديدة، حتى يبدأ الناس في مناقشة مستقبل الأداة الإعلامية القديمة التي كانت سائدة، وقدرتها على منافسة هذا الدخيل الجديد، ولأن هذا الصراع الإعلامي والنفسي، هو نزعة إنسانية ترفض التجديد في البداية، وتقف في طريق الدخلاء الجدد، لهذا فإن هذا الصراع لا يقتصر على الشرقيين فقط، إنما تنتشر عروقه بين الغربيين أيضاً.
إلا أن الفرق بين الغرب والشرق يكمن في أسلوب المواجهة الميدانية، فبينما يواجه الغربيون هذه الأداة الإعلامية الجديدة بالأبحاث العلمية للتعرف على مزاج المتلقي أو مستقبل تلك الوسيلة، سواء اكانت قديمة أو جديدة، ومن ثم التعرف على نتائج هذه الأبحاث الميدانية لاتخاذ القرار المناسب حيالها، نجد أن الشرقيين لا يعتمدون على الأبحاث العلمية إلا في ما ندر، لأن الحياة عندهم عموماً”ماشية على البركة”.
وبينما تسير الحياة بوتيرتها المعتادة عند الغربيين، نتيجة لاستعدادهم لاحتضان هذا القادم الإعلامي الجديد، ووضع أسس جديدة لمواصلة العمل مع الأداة القديمة، نجد أن الشرقيين يعانون الأمرين عند التعرف على أي أداة إعلامية جديدة، وكأن انقلاباً اجتماعياً قد وقع.
ولهذا تنشأ صراعات بشأن القبول أو الرفض على الساحة الإعلامية، وهذا ما حصل عند أول ظهور للسينما، ثم للراديو فناقش الناس مسألة مصير الصحافة والكتاب في ظل الصراع الجديد في سوق الإعلام. ثم جاء بعده التلفزيون ليشهد العالم النقاش نفسه الذي احتدم حينما ظهر الراديو، واليوم نرى بأم أعيننا تأثير التكنولوجيا الإعلامية على حياة الناس عموماً، وعلى وسائل الإعلام التقليدية خصوصاً.
المشكلة التي يواجهها الإعلام التقليدي اليوم ليس فقط في كفاءة وسائل التواصل الاجتماعي، التي وفرت وسهلت كل شيء للإنسان على الكرة الأرضية، فاختصرت المسافات والوقت والجهد، إنما في ظهور أكثر من وسيلة إعلامية على الساحة خلال فترة زمنية قصيرة، فقد ظهرت التلفونات الذكية، ثم ظهرت بعدها ببضع سنين “فيسبوك” ثم “تويتر”، ثم “واتس اب” والـ”انستاغرام”، فلم تسمح هذه الوسائل الجديدة بالفرصة الكافية لوسائل الإعلام التقليدية (الصحف، السينما،والإذاعة والتلفزيون، وغيرها)، لإجراء التغييرات المطلوبة على ستراتيجيتها التسويقة، ولم يسعف الوقت بعضها لمواجهة هذا الهجوم الكاسح، فاستسلم البعض منا ليفسح المجال للدخلاء الجدد، وتكيف البعض الآخر مع هذه المستجدات التكنولوجية، والغالبية تدير ظهرها نحو الأداة الإعلامية القديمة، لينغمس في التمتع بملذات ومزايا الأداة الجديدة. ولولا الدور الفاعل للأبحاث الميدانية التي تجريها المؤسسات الإعلامية الغربية في محاولة جادة للحفاظ على بريق الوسائل الإعلامية القديمة، في الوقت الذي تعمل جاهدة على إيجاد وسائل جديدة ترتقي بالإنسان، أقول لولا هذا الجانب العلمي في الإعلام الغربي، لكان حالهم أسوأ من حالنا نحن العرب، ولما عرفوا شيئا اسمه الولاء الإعلامي، إن صح التعبير، وأقصد الولاء للقديم.
ولهذا تجد أن في الدول الغربية هناك وسائل إعلام تقليدية لها جمهورها الذي تمسك بها ولم ينبذها عند ظهور وسيلة إعلامية جديدة كما يحدث عندنا، فأين جمهور الإذاعة اليوم في الدول العربية، وأين جمهور السينما عندنا؟
ولهذا تجد اليوم أن الصحافة الكويتية تدفع ثمن غياب هذا الولاء الإعلامي، الذي يعد نتاجاً طبيعياً لغياب البحث العلمي، الذي صار بمنزلة جرس الإنذار للوسائل الإعلامية التقليدية لأخذ الحيطة والحذر، والاستعداد لمواجهة الكوارث الإعلامية، تماماً كما يحدث عندنا اليوم.
… وللحديث بقية.
إعلامي كويتي

You might also like