البحرين… مجلس نواب منتخب وسيادة قانونية وملك رشيد «ستة أعوام على فبراير 2011» كتاب يشرح تفاصيل المؤامرات على هذا البلد الشقيق

* النهج العقلاني ولم الشمل الوطني والإصلاح المتدرج وعدم الانجرار وراء الحل الأمني وامتلاك الرؤية الثاقبة أبرز أدوات الملك للخروج من الأزمة
* الموازنة بين مواصلة مسيرة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي من جانب والحفاظ على «أمن الوطن والمواطن» من جانب آخر كان شعار ادارة أزمة فبراير2011
* مبادرة الإصلاح الطوعي من الداخل وفقًا لقناعات ذاتية وطنية مع انتفاء الأسباب الداخلية الملحة والضاغطة للتغيير كانت صمام أمان البحرين
* أزمة 2011 أثبتت أن احترام حقوق الانسان هي ما يجب أن يعول عليه أي نظام رشيد في ادارة حكمه

بقلم د.عمر الحسن:
على خطى الآباء والأجداد، ومن دون أي ضغوط خارجية، ارتكز حكم الملك حمد بن عيسى على مبادئ الإصلاح من خلال الشفافية والانفتاح والتطوير والتحديث والإصلاح والتحول الديمقراطي منذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية في السادس من مارس 1999، وحتى يومنا هذا؛ ففي عهده أفرغت السجون من السجناء السياسيين وتم العفو عنهم، وعاد من كان يعيش في الخارج، وتم الغاء قانون ومحكمة أمن الدولة، ما قدم مؤشرًا واضحًا وصادقًا على رغبة الحاكم الجديد في إصلاح وتحديث نظم الدولة القانونية والقضائية، خصوصًا ما يتصل منها بالقضايا السياسية.
وفي اطار من التشاور مع الشعب، حاز ميثاق العمل الوطني تأييد بنسبة تصويت وصلت إلى 98.4% في استفتاء العام 2001، وتبع ذلك صدور دستور تحولت بموجبه البحرين إلى مملكة دستورية، وأتاح فرصة لانشاء جمعيات سياسية لأول مرة في منطقة الخليج «أحزاب» وخرج البحرينيون في 2002 إلى مراكز الاقتراع لانتخاب مجلس تشريعي وبلدي، في أول انتخابات، وطنية تصوت بها المرأة وتترشح فيها، تبعتها ثلاثة انتخابات متتالية في أعوام 2006، 2010، 2014، وواحدة أخرى تكميلية العام 2011.
ولم تتوقف عملية التطوير والتحديث عند هذا الحد، بل شملت كل أركان ومؤسسات الدولة، فتم انشاء المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية ولجنتي حقوق الانسان داخل مجلسي النواب والشورى إلى جانب لجان ومنظمات غير حكومية أخرى لذات الغرض وصل عددها إلى حوالي تسع، فضلاً عن التصديق على جميع المواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الحقوقية، وزادت منظمات وجمعيات المجتمع المدني حتى وصل عددها إلى حوالي 560، بنهاية العام 2016 بعد أن كانت 275 في 2001، وصاحب تلك الزيادة تحول نوعي في اهتمامات وأنشطة تلك المنظمات والجمعيات، كما صدرت العديد من التصاريح لانشاء صحف جديدة، وتم صدور قانون للصحافيين وانشاء جمعية لهم، وتحسنت أحوال المرأة، وتم تمثيلها في مجلسي النواب والشورى، وأنشئ المجلس الأعلى للمرأة، والسماح بتأسيس 20 جمعية نسائية حتى نهاية 2016.
وتتويجًا لكل تلك الجهود، شهدت البحرين تطورات لافتة على مستوى البنية التحتية التي تعد منطلقًا مهمًا نحو استكمال عملية التنمية البشرية؛ حيث تعاظمت طاقات وقدرات الكهرباء والمياه والمواصلات، وكذلك الحال بالنسبة للخدمات الصحية والتعليمية، وغيرها، وذلك بهدف تهيئة الأجواء لتعظيم الاستثمار في رأس المال البشري.
مناسبة هذه المقدمة، أن الله سبحانه وتعالى شاء أن تكون هذه الانجازات، والتي أسميها «معجزات» في أقل من عقد من الزمن؛ لتكون درعًا يحمي الوطن من عواقب عاصفة الاحتجاجات أو الثورات، التي ضربت بعض دول المنطقة، اعتبارًا من ديسمبر 2010، وأوائل العام 2011، بدءًا بتونس، والتي أدت إلى الاطاحة بنظامها السياسي، ومغادرة رئيسها سلميًا «زين العابدين بن علي»، لاجئًا إلى السعودية، ومرورًا بمصر وتنحي رئيسها «محمد حسني مبارك» عن الحكم، -وهو ما يحسب لهما-، دون عنف، ودخل البلدان مرحلة انتقالية طويلة، فيما أخذت هذه الموجة تمتد إلى اليمن وليبيا وسورية، وتأخذ مسارًا دمويًّا، حيث تفاعلت أنظمة الحكم فيها باتخاذ خطوات للمواجهة، فمنها ما أودى بالدولة والنظام جميعًا، مثل «ليبيا» و»اليمن»، ومنها ما دمر الدولة، وأبقى النظام حاكمًا على جزء من أنقاضها، مثل «سورية»، ومنها ما خرج بكلفة سياسية واجتماعية باهظة- على الرغم من التحرك السياسي والشعبي الذي يمكن وصفه بالحكيم- مثل مصر وتونس، ومنها ما تجاوز الأزمة بسرعة مثل «البحرين» و»عمان»، مع الأخذ في الاعتبار الاختلاف الكبير في ظروفهما الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

مخطط المعارضة
أماطت حزمة الإصلاحات اللثام عن مخطط استغلال المعارضة البحرينية، مدعومة من ايران، هذا الظرف الاقليمي، وذكرى الاحتفال بالميثاق الوطني في 14 فبراير في محاولة استنساخ ما حدث في تونس ومصر، وأيضًا كانت بمثابة العامل المساعد في الخروج من هذه الأزمة سريعًا، تسببت وقتها في عرقلة الحياة الاقتصادية اليومية؛ ما أدى إلى انخفاض معدل النمو إلى 2.1% العام 2011 بعد أن كان 6.3% العام 2010، وتسبب في تراجع نشاط القطاع الخاص الاقتصادي وتدفق الاستثمارات، وغيرها من التداعيات الاجتماعية والسياسية والأمنية، أدارها الملك باجراءات سياسية حسب ما تطلبته مجريات الأحداث، وبهدف المحافظة على أمن الوطن والمواطن مهما كان رأيه؛ ولتوفير المجال للحياة الاقتصادية المعتادة أو التخفيف من حدة الأزمة.
والشاهد على ذلك، أنها أوضحت أن الأسباب التي أدت إلى اندلاع احتجاجات تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن، كما تبدت في شعاراتها ومطالبها، ليست موجودة في البحرين، وانما كانت بهدف اثارة أزمة تفسح المجال أمام التدخل الخارجي، كما أنها ساعدت الملك على اتخاذ اجراءات استوعبها الشعب البحريني، وأدرك الغرض الحقيقي من ورائها، وهو حماية الأمن الوطني للبلاد، ما جعل الشعب يدعم قيادته ويساندها في كل اللحظات الفارقة التي عاشتها البحرين.
ومن المهم هنا التنويه إلى أننا حين نشير للأحداث التي مرت بها الدول آنفة الذكر، التي شهدت ثورات واحتجاجات، فاننا نقصد ابراز زاوية التعامل مع الحالة البحرينية باعتبارها «حالة فريدة وخاصة جدًّا»، حيث أنبأت عن وجود ادراك مبكر للملك لكيفية التعامل مع الأحداث المؤسفة التي شهدتها البحرين في شهري فبراير ومارس 2011 وحتى الآن؛ حيث قاد نظامًا عربيًّا عاقلاً، أدرك الواقع وتعامل معه بحكمة، فلم يغتر بقوة قد تكون لازمة في بعض المواقف، ولكنها لا تغني عن الحلول السياسية؛ وانما كان تحركه هادفًا للحفاظ على عروبة الوطن وعلى الانسان البحريني ومكتسباته السياسية والاقتصادية وممتلكاته، واستمرار انطلاق مسيرة المملكة التنموية.
ما جعل من الضروري الاحاطة بتفاصيل تلك التجربة الفريدة، كاشفين لجوانبها المتعددة بشيء من التدقيق والتعمق، موضحين كيف تخطت البحرين الأزمة، وكيف استطاع عاهل البلاد تجاوزها وادارتها بحكمة القائد؛ وحتى نكون قد أسهمنا في التراث الانساني السياسي بتسجيل نقطة عربية بيضاء خالصة، تدل أولاً على أن القيادة هي الحكمة، وأن النظام الناجح هو الذي يمتلك الرؤية، وأن قدرة القائد تقاس بقدر استماعه الايجابي لمعارضيه قبل مؤيديه في اطار من حفظ الأمن والحقوق سواء بسواء.
وهو ما تجسد في كتاب، -على وشك الصدور باللغتين العربية والانجليزية-، بمناسبة الذكرى «الثامنة عشرة» لتولي الملك «حمد» أمانة المسؤولية، وبعد 6 سنوات على ادارته لأزمة فبراير 2011، والخروج منها معافى، ويتضمن الانجازات التي تحققت في المجالات المختلفة منذ بدء الأزمة وحتى اليوم.
جاء الكتاب في تسعة فصول:
يتناول الأول المسار الديمقراطي، الذي انتهجه الملك وعزز من نجاحه في مواجهة الأزمة، حيث تمت الموافقة خلال الفصول التشريعية الأربعة على «62» مرسوم بقانون، «205» مشاريع بقانون، «283» اقتراحاً برغبة، منها «303» للجانب الاجتماعي، وهو ما يبين مدى الاهتمام بالمواطن وتحسين مستوى معيشته لتكون في صدارة الاهتمام التشريعي، أما الثاني، والذي تناول السياسة الخارجية، فقد سلط الضوء على كيفية توظيف تلك السياسة في الدفاع عن مصالح المملكة، وتحسين صورتها في الخارج والتصدي لمحاولات تشويهها والتقليل من حجم انجازاتها.

حنكة الملك
وجاء الفصل الثالث، الذي اهتم بالأمن الوطني والدفاع، وهو بمثابة شاهد حي على حنكة الملك في الحفاظ على أمن الوطن والمواطن ومكتسباته، وفي الفصل الرابع، الاقتصاد، كانت هناك معركة من أجل العودة إلى طريق النمو، حيث وجه بتحسين المعيشة للمواطنين من مدنيين وعسكريين من خلال رفع الحد الأدنى للأجور في القطاعين، الحكومي والخاص، وحث الادارات المعنية على توفير تدفق السلع والخدمات والسيطرة على معدل التضخم وانشاء صندوق وطني؛ لتعويض المتضررين نتيجة الأحداث وتنفيذ 85 مرئية في المحور الاقتصادي من مرئيات الحوار الوطني، وزيادة حجم الانفاق العام في موازنات السنوات التي تشملها الدراسة وتحسين البنية التحتية، الخ، وعروجًا إلى الفصل الخامس وكان حول التنمية البشرية والاهتمام بها، فقد وجه املك بضرورة تطوير برامج التعليم مع التركيز على نهج المواطنة، وتطوير وانشاء فروع مدارس المستقبل، وبرنامج التمكين الرقمي وتعزيز التعليم للجميع، ودشن ستراتيجية تحسين الصحة للجميع 2011-2018، وتنفيذ مشروع التأمين الصحي المتكامل، واستمرت إصلاحات سوق العمل وتطوير التدريب لتعزيز تشغيل البحرينيين والتأمين ضد التعطل، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وادماجهم في سوق العمل، وتنشئة الشباب على نهج المواطنة، من خلال الستراتيجية الوطنية للنهوض بالشباب 2011-2015، وكانت مبادرة الملك في مجال الاسكان بتوجيه الحكومة لانشاء 40 ألف وحدة سكنية لحل مشكلة الاسكان في المملكة خلال فترة الدراسة، وتطوير البنية التحتية في مشروعات المياه والكهرباء والنقل والمواصلات والاتصالات وتعزيز الشراكة الستراتيجية مع القطاع الخاص في هذه المجالات، الخ.
الفصل السادس تحدث عن بعض الاجراءات التي اتخذها الملك وتقدمه ببعض المبادرات، التي حققت الاصطفاف حول قيادته من أهمها، اصدار بعض التشريعات اللازمة؛ لتعزيز موقع حقوق الانسان وتعدد المؤسسات المعنية بهذه الحقوق، رصدًا وتمكينًا وتفعيلاً منها البرلمانية أو الحكومية أو قيام منظمات المجتمع المدني الحقوقية التي نشأ منها 7 حتى نهاية 2016، باعتبار أن قضايا حقوق الانسان هي شاغل مشترك بين الدولة والمجتمع، ومؤسسة مستقلة هي المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان وغير ذلك كثير سيتضمنه هذا الفصل.
أما الفصل السابع، فيتناول حرية الرأي والتعبير؛ ليتصل مع الفصل الثامن، الذي اهتم بالمجتمع المدني، وأخيرًا جاء الفصل التاسع؛ ليعبر عن أهمية دور المرأة، باعتبارها نصف المجتمع والمحرك الأساسي للنصف الثاني منه.
واذا كان هذا اجمالاً ما احتوى عليه الكتاب، فانه خرج أيضًا بمجموعة من النتائج المهمة؛ حيث كشفت ثورات ما يسمى بالربيع العربي، -مهما تنوعت أسبابها الداخلية والخارجية-، أن ادارة الأزمة وما يجب أن تتسم به من سرعة في الحركة وانسانية في ابتكار حلول المشكلة بمحو أسبابها، واحترام حقوق الانسان، هي ما يجب أن يعول عليه أي نظام رشيد؛ وهي أيضًا ما يجب أن يستفيد منه الباحثون والأكاديميون والسياسيون وطلبة العلوم السياسية والانسانية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك كل من كُتب عليه قيادة وطنه.
وفي نقاط محددة، يمكن ارجاع أسباب نجاح البحرين في تجاوز الأزمة إلى عوامل عدة أهمها:
أولاً: أن المملكة منذ نشأتها تتعامل مع أخطار داخلية واقليمية، وهو ما أكسبها خبرة كبيرة وصلت في بعض الأحيان إلى حد «الحصانة»؛ ولهذا لم ينجر الملك لسيناريو القوة، كما حدث في الدول العربية آنفة الذكر، والتي أوصلتها إلى الاحتراب الأهلي، وتمزق كيان الدولة ومؤسساتها، ودمار بنيتها التحتية وتشريد أهلها، وهو ما أخرج البلاد بأقل الخسائر السياسية والاقتصادية، وحفظ للمملكة كيانها ووجودها وهيبتها ومجتمعها ومكتسباتها.
ثانيًا: منذ تسلم الملك الأمانة في العام 1999، انتهج خطوات إصلاحية واسعة من دون ضغوط من أحد، في اطار مبادئ وطنية خالصة، أساسها الأول «الانسان»، مهما كان دينه أو مذهبه أو موقفه من السلطة، فكانت اجراءاته باحترام حقوق الانسان، والإصلاحات الديمقراطية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز دور المرأة في المجتمع، وغير ذلك مما انتهجه، هي صمام الأمان، ما جعل مظاهرات واحتجاجات فبراير 2011 تبدو لمن أراد الحقيقة لها أجندة خارجية وغير وطنية، وقد دفع في هذا الاتجاه مبادرات الحوار التي أطلقها والتعديلات الدستورية والإصلاحات التشريعية والمؤسسية واجراءات بناء الثقة، وتنفيذ مرئيات حوار التوافق الوطني، ما حقق الالتفاف الشعبي حول قيادته في لحظات تاريخية فاصلة.
ثالثًا: المملكة لم تنجرف نحو الحل الأمني على غرار ما حدث في سورية وليبيا واليمن، وانما لجأت للحوار والتشاور السياسي باعتبارها سبلاً ناجزة في التعاطي مع الأزمات، وحتى عندما أُريد للأمور أن تنفلت وأن تقع الفوضي، اضطرت الدولة لحفظ الأمن وهيبة الدولة، فاستخدمت القوة الناعمة بشكل رشيد، ليكون ذلك رادعًا من غير تعدٍ على الحقوق العامة والحريات الشخصية، ولم يكتف بذلك، بل اتخذ بعض الاجراءات التي امتازت بالنضج والرشاد، فهي تدرك دور القوة وحدودها، فلم تنجرف إلى تصرفات لجأ اليها «القذافي» في ليبيا، و»الأسد» في سورية، و»صالح» في اليمن، فكانت سببًا في ضياع الشعب والنظام والدولة.
وبينما كان العنف والتدخل الخارجي مفاتيح التعامل مع الموجات الاحتجاجية في هذه الدول، أدار الملك الأزمة سلميًّا، من خلال رؤيته الإصلاحية التي أطلقها وعكف على تنفيذها منذ توليه أمانة المسؤولية العام 1999، معتبرًا المعارضة هم من أبناء الوطن وجزءًا من النظام السياسي البحريني، باعتماد سياسة المبادرة، والنفس الطويل، والصبر، وسعة الصدر، واعمال العقل والحكمة، وهو ما سار عليه الآباء والأجداد بمنهج تكاملي مترابط، سياسيًّا وأمنيًّا وتنمويًّا، داخليًّا وخارجيًّا، كان المحور الاقتصادي مركزيًّا فيه، وتعد المصالحة واعلاء دولة القانون والمواطنة وتعزيز الوحدة الوطنية وحقوق الانسان وتعزيز التعاون الخليجي والعربي أركان أساسية فيها، مستهدفًا احتواء الأزمة والخروج منها في أقصر وقت، كما استهدف حصر الأزمة في أضيق نطاق مكاني حتى لا تمتد إلى المرافق المهمة والحيوية.
رابعًا: تصميم الملك على جعل الأزمة «بحرينية خالصة»، تتم ادارتها ضمن البيت البحريني، الأمر الذي فوت الفرصة على الخصوم في تدويلها، كما حدث في ليبيا وسورية واليمن، حتى في أصعب اللحظات عندما اضطر إلى الحل الأمني، طبق قانون السلامة الوطنية ولجأ إلى الاستعانة بقوات درع الجزيرة في اطار اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك لحفظ الحدود وحراسة المناطق الحيوية، وأوكل للأمن البحريني حفظ الأمن الداخلي، والذي كان جيدًا ومنضبطًا واحترام حقوق الانسان، ثم شكل اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق ونفذ كامل توصياتها؛ ما أسهم في تقليص تداعيات الأزمة، ووضعها على طريق الحل، وهو ما يرجع بالأساس إلى ادراكه لطبيعة الأزمة، علاوة على التنسيق الدائم مع دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية؛ وتوقيع الاتفاقيات الأمنية مع العديد من دول العالم، والتي ازدادت أهميتها في ظل موجة عدم الاستقرار التي تشوب عددًا من دول المنطقة، ومن هنا كانت مشاركتها في التحالف الدولي للقضاء على الارهاب واستضافتها العديد من المؤتمرات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وفي مقابل النهج العقلاني، وسياسة النفس الطويل، واحتواء المعارضة ودعوتها للحوار، وتوحيد الصف الوطني، وحل الأزمة في البيت البحريني دونما تدخل خارجي، واستئناف المسيرة الإصلاحية بخطى أكثر اتساعًا، مستجيبة لمخرجات الحوار الوطني، وهو ما أخرج البحرين سريعًا من أزمتها، وأنقذ كيان الدولة، وعاد باقتصادها إلى التعافي- كان نهج العنف والضيق بالمعارضة واستدعاء التدخل الخارجي، والاستقواء به يقود أزمات سورية وليبيا واليمن نحو افشال الدولة وانهيار اقتصادها وبنيتها التحتية، فبدأت تأخذ طريقها إلى الانهيار، وتقسو فيها الظروف المعيشية، وينزح الملايين من مواطنيها خارج ديارهم، وبينما كان الملك يوجه الحكومة إلى اتباع حزمة من السياسات الاقتصادية، والتعامل مع ما واجهته البحرين من أزمة سياسية، وتقوم الحكومة بالتنفيذ، باستهداف تحقيق معدلات نمو اقتصادي عالية ومستدامة، كانت الأوضاع في الدول سالفة الذكر، قد وصلت مع حدة الانقسام والاحتراب والاقتتال إلى وضع لا يسمح بتبني أي سياسات إصلاحية.

سيادة القانون
خامسًا: انتفاء الأسباب الداخلية الملحة والضاغطة للتغيير؛ حيث ان البحرين لها مجلس أمة منتخب الأغلبية فيه للمعارضة، وسيادة قانونية وملك رشيد، وأوضاع اقتصادية وسياسية وأمنية مستقرة؛ لهذا تختلف أوضاعها عن غيرها في دول ما سمى بالربيع العربي، من حيث انتفاء المبرر الداخلي لها.
على صعيد آخر كان الدور الايراني واضحًا في اشعال الأزمة؛ حيث لعبت «طهران» بالورقة الطائفية، ودفعت بعض عملائها للاحتجاج والتظاهر، وذلك يأتي ضمن مشروع ايراني اقليمي توسعي، تسعى لتطبيقه من خلال الهيمنة على دول الجوار مستخدمة عملائها وأذرعها وخلاياها النائمة والتي اكتشفت في البحرين والسعودية والكويت وغيرها.
كما أن سياسة ايران التوسعية هي في نظر ساستهم ضرورة؛ لأنها ما زالت تعيش مرحلة الثورة، وتحرك ميليشيات تابعة هنا وهناك، ولا تتصرف كدولة؛ تحترم حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ما يدفعها إلى محاولة تصدير ثورتها؛ وللتعمية على مشاكلها الداخلية، وفي هذا السياق يمكن فهم أسباب أزمة البحرين التي نشأت نتيجة صراع مع دولة ترى نفسها حامية للشيعة أينما كانوا، فتبرر لنفسها -حسب رؤيتها– التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
بيد أن التنوع في المجتمع البحريني كان هو الضمانة الحقيقية وقت الأزمة، على عكس رهان محركيها، ظانين أنه سوف يؤججها، لكن الحكم الرشيد الذي أدرك هذا التنوع وتعامل معه بارساء مبدأ المواطنة والمساواة بين الجميع، ولم يميز أحدًا على أساس المذهب أو الدين أو اللون، جني ثمار ذلك التنوع الذي هو مصدر قوة.
وفي الأخير، نستطيع أن نخلص إلى ثلاث ظواهر جديرة بالملاحظة، الأولى إن المنهج الإصلاحي الذي استبق فيه الملك الأزمة متحررًا من الضغوط التي أفرزتها أحداث سبتمبر 2001، له دور في الحفاظ على الدولة والنظام فيها، وتحقيق الالتفاف الشعبي حول قيادته في لحظة تاريخية مفصلية، والثانية: أن تمتع الملك بالرؤية الثاقبة ساعد كثيرًا في احتواء الأزمة على العكس مما حدث في ليبيا وسورية واليمن، والتي سعت المعارضة فيها جميعًا إلى تدويل القضية والسماح بالتدخلات من قبل قوى وميليشيات في الشؤون الداخلية بما جعلها تفتقر إلى السمت الوطني، والثالثة: أن البحرين بنجاحها في ادارة الأزمة فقد تمكنت من حماية أمنها وأمن الخليج العربي ككل، لتبقى المملكة التي اختارت الانحياز لعروبتها منذ الاستقلال بقيادة الأمير الراحل الشيخ «عيسى بن سلمان آل خليفة» – طيب الله ثراه -، وشقيقه الأمير «خليفة بن سلمان»، رئيس الوزراء، هي صمام أمان الخليج ومفتاح استقراره.

Leave A Reply

Your email address will not be published.