البخل والبخلاء حكايات عربية للعبرة والتسلية (8)

0

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلا من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تذخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

يحفل التراث الأدبي العربي بالعديد من الروايات عن البخل والبخلاء، حيث دأب المؤلفون على ذم البخل والتحذير منه وسلكوا في هذا النهج مشارب مختلفة من تصريح أو تلميح ومن إيراد للآيات والأحاديث والآثار في التحذير من البخل إلى إيراد قصص وحكايات وأشعار تنفِّر منه، وتدعو إلى الكرم والبذل والعطاء.
وكان رسول الله صل الله عليه وسلم ويحذر منه فعن عبد الله بن عمر رضى الله عنه عن النبى صل الله عليه وسلم قال: إياكم والظلم، فإن الظلم هو ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش، فإن الله لايحب الفاحش والمتفحش، وإياكم والشح، فإنما أهلك من كان قبلكم الشح: أمرهم بالكذب فكذبوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا”.
ومما جاء في الاثر عن البخل والبخلاء ما يرويه ابو حامد الغزالى في كتابه (إحياء علوم الدين) قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما خلق الله جنة عدن قال لها تزيني فتزينت ثم قال لها أظهري أنهارك فأظهرت عين السلسبيل وعين الكافور وعين التسنيم فتفجر منها في الجنان أنهار الخمر وأنهار العسل واللبن ثم قال لها أظهري سررك وحجالك وكراسيك وحليك وحللك وحور عينك فأظهرت فنظر إليها فقال تكلمى فقالت طوبى لمن دخلني فقال الله تعالى وعزتي لا أسكنك بخيلاً.وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز: أف للبخيل لو كان البخل قميصاً ما لبسته ولو كان طريقاً ما سلكته.
وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء لكننا نتصبر.
وقال: محمد بن المنكدر: كان يقال إذا أراد الله بقوم شراً أمر الله عليهم شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم.
وقال علي كرم الله وجهه في خطبته: إنه سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وقال عبد الله بن عمرو الشح أشد من البخل لأن الشحيح هو الذي يشح على ما في يد غيره حتى يأخذه ويشح بما في يده فيحبسه والبخيل هو الذي يبخل بما في يده.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَبْعَدُ غَوْرًا في نار جهنم البخل أو الكذب وقيل ورد على أنوشروان حكيم الهند وفيلسوف الروم فقال للهندي تكلم فقال خير الناس من ألفي سخياً وعند الغضب وقوراً وفي القول متأنياً وفي الرفعة متواضعاً وعلى كل ذي رحم مشفقاً.
وقام الرومي فقال: من كان بخيلاً ورث عدوه ماله ومن قل شكره لم ينل النجح وأهل الكذب مذمومون وأهل النميمة يموتون فقراء ومن لم يرحم سلط عليه من لا يرحمه.
وقال الضحاك في قوله تعالى: “إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً…”، قال البخل أمسك الله تعالى أيديهم عن النفقة في سبيل الله فهم لا يبصرون الهدى.
وقال كعب: ما من صباح إلا وقد وكل به ملكان يناديان اللهم عجل لممسك تلفا وعجل لمنفق خلفاً.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً وقد وصف رجلاً فقال لقد صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه وكأنما يرى السائل ملك الموت إذا أتاه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا أرى أن أعدل بخيلاً لأن البخل يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة.
وقال علي كرم الله وجهه: وَاللَّهِ مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ حَقَّهُ.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ: الْبَخِيلُ لَا غِيبَةَ لَهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنك إذاً لبخيل ومدحت امرأة عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا صوامة قوامة إلا أن فيها بخلاً قال فما خيرها إذن حديث مدحت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا صوامة قوامة إلا أن فيها بخلا الحديث تقدم في آفات اللسان.
وَقَالَ بشر النَّظَرُ إِلَى الْبَخِيلِ يُقَسِّي الْقَلْبَ وَلِقَاءُ الْبُخَلَاءِ كَرْبٌ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ يحيى بن معاذ ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجاراً وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبراراً
وَقَالَ ابن المعتز أَبْخَلُ النَّاسِ بِمَالِهِ أَجْوَدُهُمْ بعرضه.
ولقي يحيى بن زكريا عليهما السلام إبليس في صورته فقال له يا إبليس أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك قال أحب الناس إلي المؤمن البخيل وأبغض الناس إلي الفاسق السخي قال له لم قال لأن البخيل قد كفاني بخله والفاسق السخي الخوف أن يطلع الله عليه في سخائه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا أنك يحيى لما أخبرتك حكايات البخلاء.

بخلاء العرب
وجاء في كتاب المستطرف في كل فن مستظرف – لشهاب الدين الأبشيهي، أن أشهر بخلاء العرب أربعة (الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلى وخالد بن صفوان) فأما الحطيئة فمر به إنسان وهو على باب داره وبيده عصا فقال أنا ضيف فأشار إلى العصا وقال لكعاب الضيفان أعددتها، وأما حميد الارقط فكان هجاء للضيفان فحاشا عليهم نزل به مرة أضياف فأطعمهم تمرا وهجاهم وذكر أنهم أكلوه بنواه، وأما أبو الأسود فتصدق على سائل بتمره فقال له: جعل الله نصيبك من الجنة مثلها وكان يقول لو أطعنا المساكين في اموالنا كنا أسوأ حالا منهم، وأما خالد بن صفوان فكان يقول للدرهم إذا دخل عليه يا عيار كم تعير وكم تطوف وتطير لأطيلن حبسك ثم يطرحه في الصندوق ويقفل عليه وقيل له لم لا تنفق ومالك عريض فقال الدهر أعرض منه وأنشد بعضهم.
(وهبني جمعت المال ثم خزنته
وحانت وفاتي هل أزاد به عمرا)
(إذا خزن المال البخيل فإنه
سيورثه غما ويعقبه وزرا)

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثلاثة عشر + 5 =