البرتغاليون أقاموا محاكم تفتيش للأندلسيين فردوس المسلمين الضائع - 21

0 182

إعداد – محمود خليل:

عانى المسلمون في الأندلس، كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي فرضت عليهم بعد سقوط الأندلس، التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها وتنفيذها.
أدت تلك الرقابة الصارمة إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل السلطات الصليبية، فبعد الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب، ثاروا على المسيحية التي فرضت عليهم، وبدأوا في البحث عن جذورهم الإسلامية العربية المفقودة. زاد من حدة تحول هؤلاء الاندلسيين، الذين اجبروا على اعتناق المسيحية – المسيحيون الجدد كما كان يطلق عليهم – طرد أندلسيي غرناطة إلى مناطق تواجدهم، اذ وجدوا في الأندلسيين القدامى في غرناطة، ما فقدوه قبل قرون، كما أجبر تواجدهم النصارى القدامى على عدم نفورهم من أهل غرناطة على النصارى الجدد.
لم يمر وقت طويل حتى التحم أندلسيو غرناطة مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم القشتاليين، ما نتج عنه فئة جديدة نتيجة ظلم محاكم التفتيش، أسموها “الموريسكيون”، شكلت عنصراً جديداً في التركيبة السكانية والاجتماعية في الأندلس.

بحث المهاجرون المسلمون من الأندلس “الموريسكيون”، بعد قرار الطرد الثاني، عن أماكن تشبه أو تتماثل مع المناطق التي هجروا منها، ليعوضوا موطنهم الأصلي، فاستقر بعضهم في شمال المغرب، من حدود مدينة طنجة شرقا إلى حدود تطوان وامتدادا حتى مدينة شفشاون، آثروا العزلة عن باقي العالم، منذ أكثر من 500 عام، فاحتفظوا بنقاء العرق، الثقافة، اللغة، الملابس، الغناء، العادات والتقاليد الأندلسية، لا يختلطون بغيرهم، يتزوجون من بعضهم البعض، بعضهم ما زال يحتفظ بمفاتيح منازلهم في غرناطة وإشبيلية حتى الآن.
ينحدر غالبية الأندلسيين من أصول أوروبية، أو خليط من أوروبيين، عرب أندلسيين، إيبيريين، اتراك، فرس، يتحدثون لغة “الألخميادو”، التي ابتكروها بعد حظر التحدث بالعربية، دونوا بها تاريخهم ومأساتهم، كتبوا بها القرآن الكريم، السيرة النبوية، كتب الفقه، كما يتحدثون العربية، شيدوا منازلهم بطريقة معمارية شبيهة بالتي تركوها في الأندلس.
يقول “آثنار كردونا” في كتابه “تبرير طرد الموريسكيين الإسبان”، عن رحلة الخروج الثانية، “لقد اختلط المشاة بالركبان، ومضى الجميع ينفجر من الألم والدموع، ما بين عجائز وأطفال، يغطيهم التراب ويتصبب العرق منهم، يشعرون بالضياع والتعب، بسبب المحن”.
يقول “خوان ريجل” في كتابه “دراسات حول الموريسكيين”، واصفا خروجهم “وفوق ذلك كانت هناك عصابات نصرانية من اللصوص والقراصنة تشكّلت لمهاجمة الموريسكيين ونهب ثرواتهم بل وقتلهم أحيانًا”.
يذكر صاحب “أخبار العصر فى انقضاء دولة بني نصر”، “أن من بقي من المسلمين في مالقة عقب سقوط غرناطة عبروا البحر إلى باريس، وعبر أهل المرية إلى تلمسان، وعبر أهل الجزيرة الخضراء إلى طنجة، وعبر أهل رُنْدة وبسطة وحصن موجر وقرية الفردوس وحصن مارتيل إلى تطوان، وعبر أهل بيرة وبرجه واندرسن إلى ما بين طنجة وتطوان، وعبر أهل بلش إلى سلا، وخرج الكثير من أهل غرناطة إلى بجايه ووهران وقايس وصفاقص وسوسة، وخرج أهل مدينة طريف إلى آسفى وازمور”.
لم تكن المغرب فقط التى استقبلت المسلمين الأندلسيين، لكنهم تفرقوا في عدد من البلدان التي كانت تحت الحكم العثماني، مثل، الجزائر، تونس، مصر، تركيا، لبنان، الأردن، موريتانيا، نيجيريا.
هاجر بعض الأندلسيين إلى مصر واستقروا في شمال الدلتا، محافظتى الغربية وكفر الشيخ، إذ كانت آنذاك منخفضة الكثافة السكانية، فكانت تناسب عزلتهم التي فرضوها على أنفسهم فأسسوا عدداً كبيراً من القرى، أطلقوا عليها أسماء أقرب إلى أسماء مدنهم الأندلسية.
من هذه القرى، الحمراء، الحمراوي، إسحاقة، أريمون، محلة موسى، سيدي غازي، كفر الشيخ، سد خميس، أبو غنيمة، الحدادي، سيدي سالم، الناصرية، بيلا، قطور، المنيل، محلة دياي، كفر مجر.
من العائلات ذات الأصول الأندلسية، فى مصر، عائلات القسنطيني، ابن منديل، أبو زيان، الحناوي، أبو طاي، ابن قريش، أبو نهار، القرموني، شامخ، ابن لوات، الصباحي، السعران، التمراني، الدرشابي، الواراسني، السايح، شعلان، أبو شجلي “أبو سحلى”.
يقول الدكتور عبد الكريم كريم، إن بعض الأندلسيين هاجروا إلى أمريكا اللاتينية، ورغم القرون الطويلة التي مرت على طردهم من بلدانهم فإنهم ما يزالون يفتخرون بأصولهم العربية الأندلسية، يحافظون على قيمهم العريقة، فالشاعر الأرجنتيني “دومينغو سارميانتو”، يذكر في بعض نصوصه أنه سليل قبيلة “بني الرزين” التى كانت تسكن شرق الأندلس.
أما عن كيفية وصول الأندلسيين إلى أمريكا فإن الغزاة الإسبانيين والبرتغاليين اصطحبوا معهم بعض المرشدين المسلمين “الموريسكيين” المتمرسين في علوم البحار، وعند وصلوهم إلى أمريكا بدأوا في إظهار الشعائر الإسلامية، حينما اكتشف أمرهم، أقيمت لهم محاكم التفتيش من قبل البرتغاليين، وكانت مذبحة أخرى.
لقد بلغ عدد المسلمين الأندلسيين الذين تركوا بلادهم تحت وطأة التعذيب، التنصير، الاضطهاد، إلى البلاد العربية أكثر من 350 ألف أندلسي، يصل عددهم حاليا إلى اكثر من عشرة ملايين شخص، من بينهم أربعة ملايين فى المغرب وحده، يحلمون بالعودة إلى ديارهم التي سلبت منهم.
إذا كان اليهود تمكنوا من خلال الضغوط على الحكومة الأسبانية من الحصول على اعتراف أسبانى بحقوقهم فى أرضهم وديارهم التى طردوا منها وحق العودة إلى أسبانيا “الأندلس”، إذا أثبتوا أن أجدادهم كانوا يعيشون في الأندلس، فإن الكنائس الأسبانية تحتوي على قوائم كاملة للمسلمين “الموركسيين”، الذين تم طردهم من أراضيهم ومنازلهم، ولهم حق العودة إليها أو تعويضها.
إذا كان اليهود شغلوا العالم بقضيتهم الواهية للعودة إلى أرض سكنوها منذ آلاف السنين، فلماذا لا يتم إعادة المسلمين إلى أسبانيا التى عمروها وأقاموا عليها حاضرة زاهرة منذ أربعة قرون ولمدة ثمانية قرون قبلها؟
لماذا يتغاضى المسلمون والعرب عن المأساة، المسألة، القضية الأندلسية، لماذا لا يثيرونها في المحافل الدولية لإعادة الحق لأصحابه، الذي يعني عودة المسلمين إلى أراضيهم وممتلكاتهم، تعويضهم عن سرقة ممتلكاتهم، تعذيبهم، طردهم من أرضهم، حصولهم على الجنسية الأسبانية، السماح للمسلمين في أسبانيا ببناء المساجد وحرية العبادة؟.
يقول “علي الريسوني”، المؤرخ المغربي، في حديث صحافى لموقع “هسبريس”: إننا ندافع عن الأقليات في العالم، سواء في السياق التاريخي أو الإنساني، ففي الوقت الذي يتحدث فيه العالم أجمع عن حقوق الأقليات كالغجر والأكراد والهنود الحمر وكل المجموعات المضطهدة لا يمكن استثناء الإخوة الموريسكيين.
ويتساءل: كيف يتم إغفال قضية شعب عاش واحدة من أبشع المآسي، من محاكم التفتيش وتعذيب وقهر إلى قرار الطرد النهائي، وهناك وثائق تثبت بشاعة ما تعرض له مسلمو الأندلس؟.
ويشير إلى أن: مهمتنا نفض الغبار عن هذه الجرائم لإعادة الاعتبار لهم، ونقصد الاعتبار الخلقي والأدبي من طرف دولة إسبانيا التي يجب أن تعتذر حتى يسمع العالم أن إسبانيا الحديثة قامت على جثث المستضعفين الذين لم يكن لهم ذنب سوى أنهم مسلمون، بل أكثر من هذا أنهم يتشكلون من أصول عدة منها الأيبيرية ومنها الأمازيغية ومنها العربية.
ويرى أن مسألة الموريسكي المسلم وغير المسلم مسألة حساسة جدا وجب الالتفات إليها، فمنذ شهور توجه وزير العدل الإسباني بالاعتذار لكل الموريسكيين اليهود الذين تعرضوا في فترة ما يسمى بتحرير الأندلس إلى الاضطهاد أو الترحيل القسري، بل وأعلن بشكل رسمي أن الدولة الإسبانية على أتم استعداد لمنح الجنسية الإسبانية لكل موريسكي يهودي ثبت أن سلالته عاشت في الأندلس.

You might also like