البرتغاليون أقاموا محاكم تفتيش للمسلمين في الأندلس فردوس المسلمين الضائع - 25

0 106

إعداد – محمود خليل:

عانى المسلمون في الأندلس، كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي فرضت عليهم بعد سقوط الأندلس، التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها وتنفيذها.
أدت تلك الرقابة الصارمة إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل السلطات الصليبية، فبعد الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب، ثاروا على المسيحية التي فرضت عليهم، وبدأوا في البحث عن جذورهم الإسلامية العربية المفقودة. زاد من حدة تحول هؤلاء الاندلسيين، الذين اجبروا على اعتناق المسيحية – المسيحيون الجدد كما كان يطلق عليهم – طرد أندلسيي غرناطة إلى مناطق تواجدهم، اذ وجدوا في الأندلسيين القدامى في غرناطة، ما فقدوه قبل قرون، كما أجبر تواجدهم النصارى القدامى على عدم نفورهم من أهل غرناطة على النصارى الجدد.
لم يمر وقت طويل حتى التحم أندلسيو غرناطة مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم القشتاليين، ما نتج عنه فئة جديدة نتيجة ظلم محاكم التفتيش، أسموها “الموريسكيون”، شكلت عنصراً جديداً في التركيبة السكانية والاجتماعية في الأندلس.

بحث المهاجرون المسلمون من الأندلس “الموريسكيون”، بعد قرار الطرد الثانى، عن أماكن تشبه أو تتماثل مع المناطق التي هجروا منها، ليعوضوا موطنهم الأصلي، فاستقر بعضهم في شمال المغرب، من حدود مدينة طنجة شرقا إلى حدود تطوان وامتدادا حتى مدينة شفشاون، آثروا العزلة عن باقي العالم، منذ أكثر من 500 عام، فاحتفظوا بنقاء العرق، الثقافة واللغة والملابس والغناء والعادات والتقاليد الأندلسية و لا يختلطون بغيرهم ويتزوجون من بعضهم البعض، بعضهم مازال يحتفظ بمفاتيح منازلهم في غرناطة وإشبيلية حتى الآن.
ينحدر غالبية الأندلسيين من أصول أوروبية، أو خليط من أوروبيين وعرب أندلسيين، وإيبيريين واتراك وفرس، يتحدثون لغة “الألخميادو”، التي ابتكروها بعد حظر التحدث بالعربية، دونوا بها تاريخهم ومأساتهم، كتبوا بها القرآن الكريم، السيرة النبوية، كتب الفقه، كما يتحدثون العربية، شيدوا منازلهم بطريقة معمارية شبيهة بالتي تركوها في الأندلس.
يقول “آثنار كردونا” في كتابه “تبرير طرد الموريسكيين الإسبان”، عن رحلة الخروج الثانية،”لقد اختلط المشاة بالركبان، ومضى الجميع ينفجر من الألم والدموع، ما بين عجائز وأطفال، يغطيهم التراب ويتصبب العرق منهم، يشعرون بالضياع والتعب، بسبب المحن”.
ويشير “خوان ريجل” في كتابه “دراسات حول الموريسكيين”، واصفا خروجهم: “وفوق ذلك كانت هناك عصابات نصرانية من اللصوص والقراصنة تشكّلت لمهاجمة الموريسكيين ونهب ثرواتهم بل وقتلهم أحيانًا”.
ويذكر صاحب “أخبار العصر فى انقضاء دولة بني نصر”، “أن من بقي من المسلمين في مالقة عقب سقوط غرناطة عبروا البحر إلى باريس، وعبر أهل المرية إلى تلمسان، وعبر أهل الجزيرة الخضراء إلى طنجة، وعبر أهل رُنْدة وبسطة وحصن موجر وقرية الفردوس وحصن مارتيل إلى تطوان، وعبر أهل بيرة وبرجه واندرسن إلى ما بين طنجة وتطوان، وعبر أهل بلش إلى سلا، وخرج الكثير من أهل غرناطة إلى بجايه ووهران وقايس وصفاقص وسوسة، وخرج أهل مدينة طريف إلى آسفى وازمور”.
لم تكن المغرب فقط التى استقبلت المسلمين الأندلسيين، لكنهم تفرقوا فى عدد من البلدان التى كانت تحت الحكم العثمانى، مثل: الجزائرو تونس ومصرو تركياو لبنان و الأردن وموريتانيا ونيجيريا.
هاجر بعض الأندلسيين إلى مصر واستقروا في شمال الدلتا في محافظتى الغربية وكفر الشيخ، إذ كانت آنذاك منخفضة الكثافة السكانية، فكانت تناسب عزلتهم التى فرضوها على أنفسهم فأسسوا عدداً كبيراً من القرى، أطلقوا عليها أسماء أقرب إلى أسماء مدنهم الأندلسية.
من هذه القرى، الحمراء، الحمراوي، إسحاقة، أريمون، محلة موسى، سيدي غازي، كفر الشيخ، سد خميس، أبو غنيمة، الحدادي، سيدي سالم، الناصرية، بيلا، قطور، المنيل، محلة دياي، كفر مجر.
ومن العائلات ذات الأصول الأندلسية فى مصر عائلات القسنطيني وابن منديل وأبو زيان والحناوي وأبو طاي وابن قريش وأبو نهاروالقرموني وشامخ وابن لوات والصباحي والسعران والتمراني والدرشابي والواراسني والسايح وشعلان وأبو شجلي و”أبو سحلى”.
ويشير الدكتور عبد الكريم كريم إلى أن بعض الأندلسيين هاجروا إلى أميركا اللاتينية، ورغم القرون الطويلة التي مرت على طردهم من بلدانهم فإنهم لا يزالون يفتخرون بأصولهم العربية الأندلسية، ويحافظون على قيمهم العريقة، فالشاعر الأرجنتيني “دومينغو سارميانتو” يذكر في بعض نصوصه أنه سليل قبيلة “بني الرزين” التى كانت تسكن شرق الأندلس.
أما عن كيفية وصول الأندلسيين إلى أميركا فإن الغزاة الإسبانيين والبرتغاليين اصطحبوا معهم بعض المرشدين المسلمين “الموريسكيين” المتمرسين في علوم البحار، وعند وصلوهم إلى أمريكا بدأوا في إظهار الشعائر الإسلامية، حينما اكتشف أمرهم, أقيمت لهم محاكم التفتيش من قبل البرتغاليين, وكانت مذبحة أخرى.
لقد بلغ عدد المسلمين الأندلسيين الذين تركوا بلادهم تحت وطأة التعذيب، والاضطهاد إلى البلاد العربية أكثر من 350 ألف أندلسي، يصل عددهم حاليا إلى اكثر من عشرة ملايين شخص، من بينهم أربعة ملايين في المغرب وحده.
وكان مؤتمر شفشاون الذي خلد الذكرى المئوية الرابعة لطرد آخر مسلم من الأندلس أصدر بيانا جاء فيه، “إن انقضاء 400 سنة على تلك المأساة الإنسانية البشعة، مناسبة للتذكير بتلك الجرائم التي تشيب لها الولدان، ومناسبة كذلك لمخاطبة الرأي العام الوطني والدولي لاستحضار مشاهد البطش والإرهاب والهمجية والبربرية ضد تلك الفئة من الموريسكيين الذين طردوا من أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم ظلما وعدوانا”.

You might also like