البطل الفلسطيني والدَّيْن المدفوع قصص إسلامية

0 13

محمد الفوزان

يَحكي أحد الإخوة الفلسطينيين قصة عجيبة أبهرتنا يقول فيها : حضرتُ دعوة عشاء ، فإذا من المدعوين استاذ جامعة تركي ، وعندما تعرف عليّ وعرف أني فلسطيني ، قال : نحن الاتراك نحب الفلسطينيين وفلسطين جداً ، ونعتبرها عقيدة لانهم اهل البلاد المباركة ، ولانهم لم يخونوا الدولة العثمانية لآخر لحظة ، وحتى بعد ان انهزمت الدولة العثمانية آووا الجنود الاتراك الذين بقوا في فلسطين واطعموهم وساعدوهم جدا ، وقال هذه القصة بالعربي فبكى وأبكى الحاضرين ، ثم استرسل بالكلام فقال : اول ما سُمح لنا بزيارة القدس منذ اكثر من ثلاثين سنة كنت اشعر بعاطفة وحنين شديد لزيارة فلسطين والقدس والاقصى، والتعرف على احوالها واهلها، وحدثت بعض الزملاء برغبتي بذلك، فاتفقنا انا وستة من الزملاء ثلاثة مناّ كانوا يتكلمون العربية جيدا، اتفقنا وسافرنا الى فلسطين، واتفقنا ان لا نتعامل مع الصهاينة بشيء ابدا الا لضرورة ،كأن نحتاج مثلاً دورة المياه، يعني عند اقصى واشد حاجة، وانه يجب ان تكون كل تعاملاتنا فقط مع الفلسطينيين من شراء طعام وايجار فندق ومواصلات وهدايا وكل شيء لاننا لانعترف بالصهاينة ولا نريد ان نفيدهم ابدا ونريد ان نتبارك بالفلسطينيين وان ننفعهم ، نزلنا في مطار تل ابيب وخرجنا من المطار لنبحث عن فلسطيني مقدسي يكون سائقنا ودليلنا طوال وقت الرحلة لاكثر من اسبوعين، وصلنا الى موقف سيارات وبدأنا نتفرس في وجوه السائقين، ووقع بصرنا على سائق جاوز الستين وجهه يشع سماحة ونورا وبشرا ،وقبل ان نكلمه ونسأله اتفقنا جميعا على ان يكون سائقنا هذا الرجل الطيب المبارك ودعونا الله ان يكون مسلماً مقدسياً ، فلما سلمنا عليه قال : انه من القدس ومن مواليد القدس وعاش كل حياته في القدس ولن يغادرها حتى لوقتل، فحمدنا الله كثيرا وقلنا هذه اول بركات الارض المباركة ، وعرّفناه على انفسنا وغايتنا وتعرفنا عليه، ثم سألته عن تكلفة ايجار السيارة، فقال اطمئنوا ، الطيبون لا يختلفون، والله ان فرحي بكم عظيم لأنكم من تركيا، قلت له ونحن كذلك ، واستحييت ان اسأله مرة اخرى عن التكلفة واخذنا الى فندق بالقدس ، فانزلنا امتعتنا وذهبنا بعد ذلك وصلينا في الاقصى وهو معنا ونحن نبكي وقلوبنا تنزف ألماً ولوعة وحسرة على الاقصى الأسير الذي دنسه الصهاينة المجرمون . خرجنا بعد ذلك وتغدينا وبقي معنا يأخذنا الى معالم القدس ، رأينا الظلم الشديد الواقع على الفلسطينيين هناك ،ورأينا البؤس والعذاب الذي يتعرضون له ورأينا معها عزة اهل القدس وصمودهم وشموخهم الذي استمدوه من ارضهم المباركة، وطوال الطريق كان يحدثنا ويشرح لنا ويصف لنا المعالم في الاقصى وحول الاقصى، لم يكن سائقا عاديا ولا شخصا عاديا ،كان واعيا ومثقفا ومتوكلا على الله ومتفائلا لم نسمع منه شكوى اوتذمراً او انكساراً ، بل كان يحمدالله كثيرا ان اكرمه ومنّ عليه وجعله مقدسيًا وفضّله بالرباط ، واعادنا الى الفندق بعد المغرب وساعدنا بانزال ما اشتريناه من هدايا الى بهو الفندق، سألته : كم تريد ياعمي ؟ بحكم انه اكبر سنًّا مني بكثير، قال استغفر الله ، بل انت عمي وكلكم اعمامي، اعدت عليه السؤال مرة اخرى كم تريد، فقال لا اريد شيئا لانه مدفوع، قلت كيف ومتى ؟ قال مدفوع من زمان وبسخاء كبير , اصبت بالاستغراب الشديد بل بالذهول ولأول مرة اشك انني لا افهم العربية جيدا، فسألت أصحابي الذين يعرفون العربية أكثر منّي: هل فهمتم مافهمت؟ قالوا نعم، يقول مدفوع من زمان وبسخاء ، قلت مارأيت احدا دفع . هل دفع احد منكم له شيئا؟ قالوا لا، قلت : يرحمك الله من هذا الذي دفع ومن زمان وبسخاء؟ فانفجر باكيا ومنتحباً قال : السلطان عبد الحميد والدولة العثمانية، والله مارأينا خيراً بعدكم،فانفجرنا جميعاً بالبكاء وانتحبنا وبكى لبكائنا من كان في بهو الفندق، واراد ان يذهب فامسكنا به ومنعناه واستمررنا ننتحب ، ربما عشر دقائق تعصف بنا ذكريات المجد المسلوب والكرامة الضائعة والعزة المهتوكة، واجبرنا انفسنا على السكوت، وقلت له : قبلنا دفع السلطان عبد الحميد والدولة العثمانية اليوم، اما غدا فندفع ان شاء الله، نريد ان تكون عندنا كل يوم الساعة السابعة صباحا نفطر سويا ثم نذهب لنتعرف على الارض المباركة والاهل المباركين ، وتبقى معنا الى مابعد المغرب بقليل، اتفقنا على ذلك وذهب، صلينا العشاء بعد قليل في مسجد قريب صغير ، لم يكن احد منا يشتهي العشاء ، وكان كل واحد منا يريد ان يخلو بنفسه. ذهبت الى غرفتي، لم يغمض لي جفن تلك الليلة ، وانا ابكي حسرة ولوعة وقهرا ،وادعو الله ان يساعدنا في تحرير اقصانا ومسرى نبينا وان يلمّ شمل امتنا واهلنا، في الصباح علمت ان كلنا لم ينم ليلة امس ، طبعا سألنا صاحب الفندق عن ايجار السيارة وكنا ندفع له في نهاية اليوم ونكرمه بزيادة، ونقول له هذه اجرة دليل سياحي فكان يمتنع عن اخذ الزيادة ونصر ان ندفعها له كيف لك ان تردنا وتكسر خاطرنا، فيأخذها على استحياء.
عرفنا فيما بعد ان ذلك السائق مدرس لغة عربية ، بقي هذا الرجل معنا طوال رحلتنا ، تعلمنا منه كثيرا وأحبنا وأحببناه وصادقناه وبقينا على صلة به بعد عودتنا الى اسطنبول ، وكنا نوصي من يذهب لزيارة القدس ان يتواصل مع هذا الرجل المبارك ليطوف به في القدس وحولها، وبقيت علاقتنا به الى ان توفاه الله، عليه رحمة الله، ثم ظلت علاقتنا بعد ذلك ببعض ابنائه. اللهم اجمع شملنا وشمل امتنا بالعزة والكرامة .
لايزال هناك اناس بل شعوب بأكملها امثال هؤلاء الاتراك الأفاضل الذين يحبون بل يعشقون فلسطين والقدس والاقصى والشعب الفلسطيني ، امنيتهم تحرير الاقصى وفلسطين، وكذلك هناك شعب فلسطيني بأكمله يدافع ويستميت ويذود عن الاقصى والقدس وفلسطين وصاحب عزيمة وصمود وإرادة ومروءة وشهامة أمثال ذلك السائق المقدسي رحمه الله تعالى.
ففلسطين ياسادة هي قضية المسلمين الأولى ، في قلب الضمير المسلم ، لن يطيب لنا عيش حتّى يهنأ الشعب الفلسطيني ببلاده حراً كريماً .

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.