البكاء… عالم الأسرار والعجائب الدموع تقتل 90 في المئة من البكتيريا

0 44

القاهرة – مي مجدي:

يمر الكثيرون بظروف صعبة ومشكلات في حياتهم تجعلهم يشعرون بالضغط النفسي والرغبة في البكاء، بعضهم يمنع نفسه حتى لا يتهمه الآخرون بالضعف وأنه غير قادر على مواجهة الآخرين أو اتخاذ قرارات حاسمة في حياته، بينما هناك من يبكي بعيدا عن العيون، الغريب أن بعد الانتهاء من البكاء، تتحسن الحالة النفسية، ما يثير التساؤلات حول أهمية البكاء ولماذا يبكي الإنسان وماذا يعود عليه منه وهل له أضرار؟.
في محاولة للتعرف على عالم البكاء وأسراره، كان لـ “السياسة” هذا التحقيق مع عدد من المتخصصين.
كشفت دراسة أجراها المركز الطبي “St Paul-Ramsey” في ولاية مينيسوتا، أن هناك أنواعا من البكاء،منها الدموع العاطفية، الدموع اللإرادية، الدموع التي تسقط نتيجة المهيجات مثل البصل، مشيرة إلى أن الدموع العاطفية تحتوي نسبة كبيرة من هرمون “البرولاكتين” الذي يقضي على الألم بشكل نهائي، وفي كتابه “Emotional Freedom” يؤكد Judith Orloff أن للبكاء فوائد عدة منها،إزالة الجسيمات المهيجة للعين، التخفيف من نسبة هرمونات الإجهاد في الجسم، لأن الدموع تتكون من أجسام مضادة تعمل على محاربة الميكروبات المسببة للأمراض، موضحا أن “دموع اللاوعي” تلعب دورا كبيرا في تنظيف العين من الجزيئات الضارة مثل الناجمة عن الدخان، ونظرا لاحتواء الدموع على مادة كيميائية تعرف باسم “lysozyme” التي تعمل كمادة مضادة للبكتيريا، فهي تعمل لترطيب العين وحمايتها من الالتهابات، كما أن انتقال الدموع إلى الأنف عن طريق القناة المسيلة للدموع يعمل على إبقائه رطبا والتخلص من البكتيريا بشكل تلقائي بعد التوقف عن البكاء، ما يسبب تحسين التنفس و الشعور بالراحة.

هياج وتوتر
يقول الدكتور محمد حسن غانم أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة حلوان: عندما ينهار المرء عاطفيا يبدأ الدماغ في إنتاج هرمون التوتر الذي يجعل الفرد في حالة من الهياج والبكاء الدائم الذي قد يصل به إلى حالة الانهيار، بعدها يرسل للجسم إشارات لأخذ وضعية الدفاع. كما يصبح الصوت أكثر خشونة نتيجة ضغط هرمون التوتر على الحلق ما ينتج عنه صعوبة وضعف في عملية التنفسز لافتا إلى أن البكاء يعمل على رفع المزاج السيء ويحسنه، لأن الدموع العاطفية تنتج هرمون “الاندروفين” الذي يدعم المزاج ويقلل من الشعور بالألم، فينعم الشخص بالهدوء والبعد عن التوتر. كما أن الدموع تقتل البكتيريا لاحتوائها مادة الريق ولبن الأم، بالتالي تخلص الجسم من 90 بالمئة من البكتيريا خلال 10 دقائق من نزولها، تخلصه أيضا من السموم، علاوة على دورها في نقل تعبيرات الوجه التي من شأنها أن تشعر الآخرين بأن صاحبها موجوع ويتألم ليتفهموا حالته، وهو ما يجعل المقربين يلتفون حوله لمساعدته في الخروج من هذه الحالة السيئة والتوقف عن البكاء.

طبيعة الأشخاص
تقول الدكتورة شيماء عرفة اختصاصية الطب النفسى ومحللة لغة الجسد: البكاء وسيلة لمعرفة طبيعة الأشخاص، فمثلا الصريح والواضح يبكي بصوت مرتفع و بدموع غزيرة، لأنه لا يستطيع كتمان شي بداخله، لكنه يميل بعض الشيء إلى الأنانية، لأنه يفضل راحة نفسه على حساب الآخرين، فلا ينظر إلى حجم الألم الذي يسببه لغيره أثناء بكائه، كل ما يهمه إخراج ما بداخله من طاقة سلبية والشعور بالراحة. في المقابل نجد الكتوم غير الواضح والمليء بالأسرار يبكي في صمت، لا يخرج مشاعره للآخرين، لكنه في نفس الوقت يكون أمينا للغاية،يحافظ على أسرار غيره، لأنه اعتاد إخفاء ما بداخله بجدارة.
تضيف: هناك نوع آخر وهو الذي يفتح فمه أثناء البكاء، صاحب هذه العادة غالبا عصبي يعبر عن قلقه وتوتره من خلال الكلمة، لذلك لا يكتفي بالبكاء فقط، بل يفتح فمه لرغبته في الحديث، وكأنه يبوح بكلمات تعبر عن حجم الألم والغضب الذي يشعر به، في حين يلجأ التلقائي والعفوي البسيط، إلى غلق عينيه وكمش وجه أثناء البكاء، لأنه لا يزال يحتفظ بطابعه الطفولي ونقائه، لا يفضل التصنع والتجمل أمام الناس والظهور بصورة مزيفة. كذلك يوجد من يبكي من دون دموع وهو متكبر يحاول إخفاء ضعفه أمام الآخرين، يعتبر الدموع دليل المهانة وضعف الشخصية، لذلك لا يظهرها أمام أحد، يمنعها بشكل متعمد حتى لا يفقد قوته ومظهره ونظرة الآخرين له.

أحلام يقظة
يشير الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسي بالأكاديمية الطبية إلى أن هناك بعض الأشخاص السلبيين من الداخل، الحزن عندهم عادة،،دائما يفكرون في الموت والأشياء الحزينة التي تنشط داخلهم الطاقة السلبية وتجلب لهم الاكتئاب، فيبكون بشكل مستمر من دون أن يقتصر الأمر على وقت النوم فقط، في هذه الحال ينصح بالعلاج النفسي. هناك سبب آخر قد يضع الشخص في بؤرة الحزن والبكاء، وهو أن يكلم نفسه باستمرار، حيث تسيطر عليه أفكار معينة،قد تكون سلبية وتتمحور حول الانتحار، الرغبة في التخلص من الحياة، هنا يعاني الفرد من اكتئاب حاد يتطلب ضرورة استشارة طبيب نفسي.
وثمة من يبكون قبل النوم بسبب أحلام اليقظة، خصوصا الشباب الذين يعيشون هذه العملية العقلية اللاشعورية، نجدهم دائما في حالة من التفكير، بسبب طموحاتهم التي لا تتحقق، فيغلب عليهم العقل الباطني، يصبحون أكثر خيالية من اللازم،يبكون لعدم تمكنهم من الوصول إلى الهدف المرغوب. وهناك من يعاني من الاكتئاب وهو اضطراب في المزاج، يستمر لأسابيع، تشمل أعراضه الحزن،الكآبة، سيطرة مشاعر اليأس، انعدام القيمة، صعوبة التركيز، في الغالب يكون البكاء في مثل هذه الحالات مرتبطا بها.

فوائد عظيمة
للبكاء فوائد صحية، هذا ما تؤكده الدكتورة صفاء عبد القادر استشارية الطب النفسي، في مقدمتها التخلص من الطاقة السلبية والضيق، لأن البكاء يجعل الشخص أكثر قوة وقدرة على التحمل، كما أنه يخلص الفرد من المشاعر والطاقة السلبية كالحزن والشعور بالإحباط والغضب،لأن خروج الدموع من العين يقضي على المشاعر السيئة والمحبطة. وقد اثبتت الأبحاث أن للبكاء فائدة عظيمة للعين،يقلل من خطر إصابتها بالأمراض، في حين يؤدي عدم ترطيب العين إلى إصابتها بالجفاف والتقرحات،ما يعرضها للجفاف والموت، والبكاء كذلك يجعل الجسم أكثر حيوية ونشاطا وقدرة على تحمل الصدمات. كما أنه يؤدي إلى زيادة “الثيرونين” و “الدوبامين” و”5HT”، وهي الهرمونات المسؤولة عن تغيير المزاج والتخفيف من حدة التوتر والألم الذي يشعر به الإنسان ويعد سببا لسقوط الدموع منه، وهو ما يجعله يشعر بالاسترخاء والراحة النفسية والهدوء، لافتة إلى أن هناك تغييرات جسدية تحدث أثناء عملية البكاء، منها الإصابة بشلل مؤقت في بعض الأطراف حيث لا يمكن تحريك الأصابعه أو القدمين، ويختلف هذا باختلاف الشخصية ومدى قدرتها على التحمل، فهناك من يفقد قدرته على الكلام.
تضيف: أغلب الحالات تتعرض لصداع مزمن،آلام في المعدة، تنميل في الأطراف نتيجة البكاء الشديد، هذه الأعراض من شأنها أن يساهم البكاء في التخلص منها بعد الانتهاء منه، والدليل أن الذي يعاني من أزمة نفسية عندما يذهب إلى الطبيب أول ما يفعله هو البكاء بشكل هستيري، ما يؤدي إلى دفع العضلات للحركة، مؤكدة أن البكاء يقلل من خطر الإصابة بجلطات القلب والدماغ وارتفاع ضغط الدم أو السكري، لأن الشعور بالراحة والطمآنينة الذي يحدث للإنسان عقب البكاء يرخي الجسد والأعصاب ويهدئ من حالته النفسية.

أضرار البكاء
عن أضرار البكاء تقول هبة سامي، الخبيرة النفسية والاجتماعية: البكاء حالة معينة يمر بها الإنسان نتيجة تعرضه للكثير من الضغوطات المستمرة والمشكلات اليومية، ورغم فوائده لكنه لا يخلو من الأضرار ومنها انخفاض هرمون السعادة “السيروتونين” بالمخ ما يؤثر على الجهاز العصبي والهضمي، مؤكدة أن البكاء قبل النوم يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم مع احتمال حدوث نزيف في المخ،كذلك ارتفاع ضربات القلب، برودة في الأطراف،قرحة في المعدة، شد في عضلات الرقبة والظهر، ناصحة بضرورة الابتعاد عن الضغوط قبل الذهاب إلى السرير، تناول عقار مهدئ يساعد على النوم ويقلل من أعراض الحزن والضيق. ناصحة بضرورة أن يكون هناك صديق يلجأ إليه الشخص في مثل هذه الحالات والتحدث معه والأخذ بنصيحته لإخراج الشحنة السلبية الكامنة في النفس، لأن الصمت يزيد منها، يمكن أيضا الاستماع إلى موسيقى تقلل من مستويات التوتر،الخروج من المنزل للتنفيس عن النفس، التخلص من الطاقة السلبية من خلال ممارسة الهوايات المفضلة، وفي حالة استمرار هذه الحالة ينصح بمراجعة طبيب نفسي.
تتابع: يؤكد علماء النفس أنه فى حالة شعور الفرد بالرغبة في البكاء فلا يجب عليه حبس دموعه، لأن الشعور بالحزن والغضب يسيل مع هذه الدموع، موضحة أن بكاء المرأة الذي يراه الكثيرون بأنه أكثر من اللازم، لا يرجع فقط إلى طبيعة المرأة الفسيولوجية أو النفسية، بل يعود إلى أسباب علمية، فهرمون “البرولاكتين”، الذي يفرزه الجسم كرد فعل للتوتر والحزن والشعور بالاكتئاب الذى ينتاب المرأة يرتبط بالبكاء، وفي حال ارتفاعه في الجسم يسبب البكاء لأقل الأسباب. لافتة إلى أن البكاء ليس دليلا على الضعف كما يدعي البعض، لكنه أسلوب طبيعي للتخلص من المواد الضارة بالجسم التي يفرزها عندما يكون قلقا، فالمخ يفرز مواد كيميائية للدموع مسكنة للألم، وإذا كان البكاء يزيد من عدد ضربات القلب، فإن ذلك يعد تمرينا جديا للحجاب الحاجز وعضلات الصدر والكتفين، بعد الانتهاء من بالبكاء تعود ضربات القلب إلى معدلها الطبيعي وتسترخي العضلات وتعود لحالتها السابقة، اما كبت الدموع فهو يؤدي للشعور بالضغط والتوتر والإصابة بالصداع والقرحة.

You might also like