البو عزيزي البدون

حسن علي كرم

حسن علي كرم

هل كنّا نحتاج في الكويت الى شاب من البدون يُقدم على الانتحار حرقاً، على طريقة التونسي البو عزيزي الذي احرق نفسه امام بوابة مركز البلدية حتى تهتز ضمائرنا، وتتفطر قلوبنا، وكلنا يعلم مظلومية هذه الفئة المغلوبة على امرها والتي لا حول ولا قوة عندها الا الانتحار او الانتظار للموت البطيء؟
اغلب الظن ان الحكومة استخدمت البدون ورقة سياسية، والنواب لعبوا القمار بورقة البدون، وظل البدون وسيلة للربح والمتاجرة، والمساومة ما بين النواب والحكومة التي استخدمت البدون فزاعة للتخويف من اختلال التركيبة السكانية واختلاط الدماء الصفراء بالدماء الزرقاء ، واما النواب فقد أستخدموها تذكرة للدخول الى جنة المال والشهرة والوجاهة السياسية، والخاسر في كل الاحوال لم يكونوا الا البدون، والخاسر الأكبر الكويت وسمعتها العالمية ولا سيما في المحافل الدولية والحقوقية.
وكما ان الحكومة قد استخدمت البدون ورقة للمساومة، لم تكن صادقة لحل القضية، في المقابل لم يكن النواب الا منافقين يتكسبون من مأساة البدون، كان على الحكومة، وهي المسؤولة عن حل القضية اولاً واخيراً، وهي المسؤولة عن الامن الوطني والامن الاجتماعي ان تفهم أن الزمن ليس كفيلاً لحل القضية، وان مجلس الأمة ليس مرجعاً للحل، ولا هناك حاجة لمرجعية شعبية حتى تشكل لجان أو مرجعيات او مراسيم وقرارات وهيلمانات، بقدر ما الحاجة للاعتراف بوجود قضية، وايجاد حل، خصوصاً، وهنا الاهم، ان البدون ليسوا زرعاً شيطانياً، ولا طراثيث، ولا فقعاً يخرج في مواسم الأمطار من باطن الارض كما يدعي ذوو النظرة الفوقية، البدون الحكومة قبل غيرها تعلم انها سهلت لهم الدخول وسهلت لهم التواجد على هذه الارض المباركة الطيبة منذ ستة او سبعة عقود، وقد استخدمتهم ادوات في الحفاظ على امن البلد الوطني في الداخل وعلى الحدود، وانهم شاركوا في الذود عن حياض هذا الوطن الغالي والدفاع عن الامن القومي العربي وان هناك من البدون من استشهد فاختلطت دماؤه بتربة الكويت وبتربة القضية القومية المركزية – فلسطين – على تراب مصر وسورية، فهل نصدق، بل هل هناك مجنون يصدق ان هؤلاء مزورون، او يخفون جوازاتهم الأصلية؟ وحتى على أفتراض ان ذلك صحيح وان هناك مزورين ومدعين، هل من المعقول أن يبقى البدون بعد ستين او سبعين سنة وبعد ثلاثة او أربعة اجيال من البدون مازالوا بلا حقوق وأنهم فئة دخيلة يلزم معاملتهم معاملة المقيمين؟ وحتى اذا كان الافتراض معاملتهم على اساس مقيمين، أليس للمقيم حقوقاً وفقاً لقوانين الإقامة وقانون العمل وغيرهما من القوانين؟
يقولون: الظلم ظلمات، والحكومة ظلمت وما زالت مستمرة في ظلم البدون، ولو لم يكن الامر كذلك لحلت قضيتهم واغلقت الباب على مأساتهم، وانا على يقين لو ارادت الحكومة حل قضية البدون لما عاقها امر ولكن طالما بقي البدون ورقة سياسية بيد الحكومة فلا حل قريباً، ولو انتحر عشرات من شباب البدون حرقاً، أو جوعاً …!!
المواطن التونسي البو عزيزي الذي احرق نفسه منتحرا، لم ينتحر الا شعوراً بالظلم من قرارات جائرة، ومعاملة لا تليق بانسانية الانسان، لذلك اقول لا تندهشوا اذا انتحر هنا بدون وقد اختل عقله لما يراه من ظلم ومهانة، فالحياة رغم سعتها، ليست أكلاً وشرباً او دشداشة بيضاء نظيفة، الحياة كرامة وأمان ومساواة في إنسانية.
ان سبعين سنة من الضياع والتوهان كافية لكي يشعر البدون انهم مواطنون، وكافية لكي تتأكد الحكومة ان البدون جزءٌ من لحمة ومن نسيج هذا الوطن المعطاء، ام تنتظرون حتى ينتحر كل البدون حرقاً حتى تحلوا قضيتهم؟

صحافي كويتي