من وحي الناس

التأخر الحضاري والتغيير من وحي الناس

خالد عبدالعزيز السعد

خالد عبدالعزيز السعد

شوارع الوطن تقسو عليك حين تتيه فيها، وترى الطين والأوحال والحفر والصخر والدهشة والحسرة والأسئلة والصور التي تستعصي على الفهم ومزيجا من الإحباط والحزن، والاستفهامات على شاشة الواقع، وترى البلدوزرات وديناصورات من الحديد تغوص في بطن الوطن، والتراب، ونقلب الظهر بطنا، والبطن ظهرا تمثل روح الجشع، مقاولون وشركات، وأسماء وكتل من النفايات، والأتربة والصخور والحديد متراكمة تحكي قصة فساد ضارب في كل الاتجاهات يكر ليل نهار ويستحلب المال، والثروات ليل نهار وبلا مبالاة ولا رادع من ضمير يختبئ وراء المناقصات، والمضاربات، والواسطات، والسمسرات والرشوات وهي قصص متشابهة تحكى في المجالس، وفي الدواوين، ومكاتب الموظفين وعلى مسامع الناس المذهولين.
كان بالإمكان منذ خمسة عقود لو دفعنا كل هذا المال في وحدة اندماج بين التخطيط والجمال، والصدق والاحتياجات والحريات الملتزمة لأقمنا مدنا تبرق جمالا من شمال الوطن الى جنوبه، ولأذهلت العالم بناء وخضرة وشوارع وقطارات ووسائل نقل جميلة وممتعة وجسورا وأنفاقا وحدائق رائعة تحكي إبداعات العقل وتصوراته وطموحاته التي تتماشى وتقدم الانسان ومعارفه وعلومه وحداثته ولملأناها بالفرح ونبض الحياة، والوجود وبالأولاد والبنات ولطوينا خراب المهزلة ولصارت واجهة البحر حرة وشواطئ تتفجر الفرحة على رمالها، وتتحد مع لعب الاطفال والاسر جحافل قلوب وأقدام من العفوية، والصفاء والضحكات المتدفقة مع الامواج بدل ان نرى البحر من وراء استار واحجار صماء واملاك لمن وضعوا ايديهم على شواطئ البحر في غفلة من الحكومات ومن البلدية ومن القانون حتى صار كالأقبية الملتوية مثل الأفاعي تصلح للمهربين أو لمخالب ذئاب الليل ولطم الريح.
نتساقط خجلا وحرقة لأن كل ما حولنا يدعونا للقلق نتبادل الاغتراب والحزن والأسى وسوط غربان النكد الذين لا يريدون للإنسان الا ان يكون على طريقتهم وفكرهم المتحجر والغاطس في وحول المفاهيم والتفسيرات الخاطئة للنص الكريم الذي يدعونا للمحبة، والتفكر والتبصر وأعمال العقل في كل مشاكل الحياة ووجوهها “أفلا يعقلون” بدل التعامل الميكافيلي، والانتهازي، والريائي، والإلغائي، والتعصب المدمر خائفين من الفكر والجمال كارهين للحرية المتلزمة والفكر الحر والآفاق الرحبة فضاعت السنون وبقينا نتخبط في التعليم المهترئ والتلقيني والمناهج المتخمة بالجهل، والتجهيل، والعنف والعصبيات والعداء للآخر المختلف وللعلم والتقدم وصعود الإنسان في كل مجالات الحياة ووضع الحواجز ضد المستقبل تحت غطاء دهري من الخوف وخنق الرغبات وتعمية العقول والنفوس ليلف ابناءنا وبناتنا وشبابنا ضباب المعرفة وجرهم إلى اليأس الأعمى، والاستسلام للأمر الواقع، وإشاعة التعصب، والكراهية، والخوف وقد ينجحوا في كثير مما أرادوا فتوقفت التنمية، والتخطيط وتراجع الاقتصاد وضاعت الثروة النفطية في دهاليز الإنفاق غير المجدي، وتراجعت الحريات، وتراكمت البطالات المباشرة والمقنعة وأصاب الهزال مجالس الأمة المتعاقبة، وكثرت اللجان وفرخت لجانا أخرى فأنتجت فراغا بعد فراغ وصار الشعب يتندر بتلك المنجزات الكسيحة التي تحوم عليه كما الذباب قصص متشابهة حتى صرنا مثل ابطال شكسبير وهم في حالات الضجر الطويل في محطات الانتظار ونظل نحلم مثل الأطفال بحوريات البحر ولا نراها، والكون البشري بشرقه وغربه يخطو مخترقا الحواجز في الألفية الثالثة ويعمل على تجديد آرائه، ونظرياته وعلومه، ويضيف عليها إبداعاته ويراكمها في كل مجالات الحياة.
حلت نظرية تبادل المصالح في السياسة بدل توازن القوى والديمقراطية بدل تسيير المؤسسات بل أصبحت حقوق الإنسان واحترام حريته وأفكاره وسقطعت مبررات الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية بسقوط الاتحاد السوفيتي والرحلة الانسانية أصبحت موجهة للعلم وتغيير الواقع الى الآفاق الافضل، وسفر دائم الى العلم والاكتشافات الجديدة بلغة جديدة والسفر الى الحرية وعالمها الواسع، ومواجهة الظلام بأنوار الشجاعة والارادة.
فلابد لنا أن نصحو من هذا النوم الطويل، ولننظر الى العمق في مشكلاتنا وقضايانا وننزع عنها الظلمة، والصمت الطويل ليس من اجل تحسينها بل من اجل التغيير وازالة العوائق، والأتربة التي تغطيها فالتأخر الحضاري هو تأخر العقل والخيال والإبداع والعلم لا يجلب بالبواخر أو بالطائرات مع الأمتعة بل من جذور الفكر وأعمال العقل، والارادة وهدم الكسل الروحي، والنفسي وخلع الثوابت والتقليد الجاف والأعراف الذابلة وإشاعة الحرية، واختراق المسافات الصعبة وكسر الأصداف، وفتح بوابات العقول، والافكار وندخل إلى شرفات الحلم، والأمل، والعمل بالصدق والإرادة والشجاعة.

* كاتب كويتي