التأدب فرض على القضاة والمتقاضين

زيد الجلوي

زيد الجلوي

نقرأ ونسمع دائما عن استغلال تأدب القضاة من قبل بعض المتقاضين في الإساءة للقضاة، وهي إساءة مرفوضة رفضا أخلاقيا، قبل البحث عن الشخص المسيء. لكن على بعض القضاة أيضا، ألا يفسروا ارتباك بعض المتقاضين أمامهم، بأنه خوف منهم، بل احترام للقضاء، مفرقين بين القضاء كسلطة، والقضاة كأصحاب سلطة، والمتقاضين الذين هم أصل التقاضي. أي أنه لولا وجود متقاضين، لانتفت الحاجة إلى وجود قضاة.
وعلينا أن نفرق ما بين ساحات القضاء، التي هي ساحات حقوق، يستشط أهلها أول ما يستشطون في تلك الساحات، وفيها قبل غيرها أول ما يعبرون عن غضبهم واحتقانهم، ووجوب تحمل، ربما، عدم فهمهم لخسارتهم لحقوقهم، التي ربما يكون سببها ذهابه إلى محام مضمن مكتبه لمناديب، يتصيدون المتقاضين في المقاهي، ومستشفى كسور العظام مقابل نسبة معينة.
وما بين الساحات الإعلامية أو التنفيذية، وحتى التشريعية، التي لا تكون ساحات لحسم الحقوق، كساحة القضاء. الذي يتطلب من العاملين في حقله، أن يبدوا التفهم المطلوب في مواجهة المتقاضين، ممن أمضوا سنوات بانتظار لحظة النطق بالحكم. فنعرف أناساً ذهبت عليهم حقوقهم، بسبب إهمال المحامين المضمنين لمكاتبهم. فهؤلاء المتقاضون لهم الظاهر، ولا يعرفون بظاهرة تضمين المكاتب، ولم ينورهم أحد بخطورة هذه الظاهرة، فكل ما أكتفت به جمعية المحامين، هو التحذير ممن يكتبون الصحف والمذكرات في المقاهي، ربما لحاجة هذا الفريق، أو ذاك إلى أصوات هؤلاء المحامين الشكليين. الذين أفسدوا رسالة القانون والحق، بتسببهم بضياع حقوق الكثيرين من المتقاضين.
كما يتوجب التفريق ما بين نقد القضاة، و ما بين الإساءة إليهم. فهناك وحسب ما ينقل إلينا، الدكتور مصطفى عبد الحميد عدوي، أستاذ القانون المدني عميد كلية الحقوق الأسبق بجامعة المنوفية، في كتابه « أثر الخلفية الشخصية للقاضي والإنتقادات الإعلامية واستعمال شبكة المعلومات على الحكم القضائي»، توافر لاجماع الكثيرين على أزدياد ظاهرة انتقاد القضاة حتى أصبحت ظاهرة عالمية، ناقلا قولا لرئيس المحكمة العليا لنيوساوث ويلز في إستراليا ميشيل كيربي: « أن الانتقادات الموجهة للسلطة القضائية في المجتمعات الديمقراطية أصبحت أمرا واقعيا لا مفر منه، وأنه من العبث أن نطالب بعودة الزمن الذي كان فيه الجميع، ومنهم الساسة يبدون احتراما أكثر، وتوقيرا للأحكام ولأشخاص القضاة»(ص45).
وليس النقد مقصورا على الاستراليين، فجميع الأقضية الغربية المتمتعة باستقلالية أكبر من غيرها، تتعرض للانتقادات من جانب السياسيين فقط، بل حتى من وسائل الإعلام والمعلقين وغيرهم، بحسب ميشيل كيربي المنقول عنه أعلاه، والذي يعيد أسباب النقد إلى عدم شعور الناس بالأمن، ومطالبتهم القضاة بتشديد العقوبات، وتحقيق الأمن باي طريقة كانت، الشعور الذي يستغله الساسة في نقدهم للقضاة، استدرارا ً لتعاطف الناس، ولكسب ثقتهم كذلك تفعل الصحافة بتسليطها الضوء « على الخلاف والانقسام بين السلطة القضائية والحكومة، بل ساعدت على تأجيج الخلاف» (المصدر السابق).
وبين تأييد نقد القضاة ورفض النقد، نود ان نقول أن هناك بعض القضاة، المفترض أخذهم بالحزم، حتى لا يكونوا بوابة يستغلها المتصيدون. هناك قضاة لا يحترمون المتقاضين، ولا يرونهم بعين الاعتبار على الإطلاق، بالعامية “عاجبك عاجبك مو عاجبك طق راسك بالطوفة”، عبر عنها بنظرة منه، أو نطق بها بأسلوب دال عليها، أو ظهرت بحكمه القضائي ظاهر الإهمال الجسيم عليه. هؤلاء يجب على المجلس الأعلى للقضاء، وضعهم تحت المجهر. فكل منا بحاجة للرقابة المانعة من الانحراف، حتى يعي ويدرك القاضي والمتقاضي، ان جلوس كل منهم أمام الآخر، هو احترام للقضاء كسلطة أولا، تستمد قدسيتها من قوله تعالى « وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، ولأن السلطة القضائية ميزان السلطتين التنفيذية والتشريعية، أن تميد بهم نحو فقدان الغاية من وجودهما.
* كاتب كويتي
zaidaljloi@yahoo.com