التجارة كانت البداية واليمن اللاعب الرئيس الإسلام ينير القارة السمراء

0 258

إعداد – إسلام مصطفى:

يحفل التاريخ العربي بالنوادر، التي قلما يوجد مثلها في أمم أخرى، نظرا لما يتمتع به العرب من خفة ظل، حتى أنهم سخروا الشعر في كثير من هذه المواقف فتحولت بها إلى نادرة، “السياسة” طافت
عبر تاريخ العرب قديمه وحديثه وقطفت بعض هذه النوادر لتقدمها للقارئ حتى ترسم على ملامحه البسمات.

اقتصرت العلاقات بين العرب وأفريقيا قبل الإسلام على المناطق الساحلية الأفريقية التي تضم اليوم إريتريا، وإثيوبيا، الصومال، جيبوتي، مدغشقر، جزر القمر، موريشيوس، سيشيل، ملاوي، زامبيا، زيمبابوي، بوروندي، رواندا، كينيا، تنزانيا، أوغندا، موزمبيق، التي كان يطلق عليها أرض الزنج، بربرا، أرض سفالة، أرض الواق واق.
كان البحرالأحمر هو الفاصل بين أفريقيا والعرب، بينما كانت نقطة التواصل والالتقاء باب المندب، أضيق نقطة في البحرالأحمر، كانت التجارة هي العلاقة الأهم التي تربط بين الطرفين، كانت تسمى –حسب هيرودوت– التجارة الخرساء، أو التجارة الصامتة، ولكل طرف لغته أو لهجته، فكانت الأسواق تقام على الساحل الشرقي لأفريقيا، إذ ترص البضاعة أو المنتجات من الطرفين، وعبر الإشارات يتم التبادل التجاري العيني بلا نقود، وكانت البضائع العربية غالبا تتكون من الخناجر، الرماح، الزجاج، التمر، فيما كانت البضائع الأفريقية تتكون من العاج، قرن الخرتيت، الجلود، الرقيق.
يقول حسن أحمد محمود في كتابه “الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا”: لقد لفت التاجر المسلم نظر الأفريقيين بحرصه على أداء الطاعات والفروض مثل الوضوء والصلاة والزكاة والسمو العقلي، ما جذب قلوب الأفريقيين، وساعد على ذلك الاحتكاك المباشر بالمجتمع الأفريقي، حيث كان هؤلاء التجار يتزوجون في الأماكن التي يتاجرون فيها، لأنهم يمكثون هناك فترات طويلة، فأصبح بيته يمثل مركزا إسلاميا، ونتيجة لهذا الاستقرار تكونت الأحياء الخاصة بهم فأقاموا فيها المساجد والمدارس لتعليم القرآن الكريم، فكان التاجر يقوم بدوره الدعوي بجانب نشاطه التجاري، وكانوا يستقدمون العلماء والفقهاء لتعليم سكان هذه المناطق أمورالدين، وأكثروا من بناء المساجد والمدارس والزوايا مع زيادة عدد المسلمين من الأفريقيين، وتم إرسال أبنائهم للتعليم في القاهرة والقيروان وبغداد وفاس، مع توفير احتياجاتهم من الأموال، كما استخدم التاجر دكانه لتعليم الأطفال المسلمين والوثنيين ليلا.
تمتع التجار المسلمون بحرية الإقامة في المناطق التي يتاجرون فيها، أصبحوا طبقة قريبة من حكام تلك المناطق، اتخذوهم مستشارين لهم، ما أدى إلى انتشار الإسلام سريعا، ثم أسلم الملوك وحاشيتهم، ومع انتشار الإسلام زادت التجارة، وتمتع التجار بمزايا كثيرة في المجتمع الأفريقي.
يقول الكاتب والجغرافي والرحالة والمؤرخ العربي أبوالقاسم ابن حوقل المولود سنة 367 هجرية: عرفت التجارة مع أفريقيا منذ أمد بعيد، ولما ظهر الإسلام وأصبح التاجر مسلما زاد النشاط التجاري بين شمال الصحراء وجنوبها، كما زاد النشاط الذي كان يقوم به العرب، فقد عني المسلمون بالطرق والأمن وحددوا المكاييل والموازين والمقاييس، وأشاع التاجر حوله جوا من الثقة فوجد ترحابا أينما حل، وأصبح بيته منارة للفكر الإسلامي بما يحمله من مدنية وحضارة.
يقول الدكتور حسين مؤنس، في كتابه “الإسلام الفاتح”: أقام التجار العرب والبربر علاقات تجارية مع سكان جنوب الصحراء الكبرى قبل ظهور الإسلام، وكانت هناك قوافل تجارية كبيرة بينهم.
ساهم التجار المسلمون في انتشار الإسلام، بحسن مظهرهم، حسن سلوكهم مع الناس، أمانتهم، علمهم، أخلاقهم، خلقهم، حسن معاملتهم للأفارقة، حسن مجاورتهم، كما كان بعضهم يجمع بين التجارة والعلم، فأنشأوا حلقات لتعليم القرآن الكريم، شرحوا لهم تعاليم الإسلام، ثوابته ومبادئه.
يصف المؤرخ ليفتزيون التجار بأنهم، “بمثابة أدوات لنشر الإسلام لما وراء حدود التوسع العسكري”، بينما يرى المستشرق البريطاني ترمنغهام “أن الإسلام والتجارة يرتبطان إلى حد كبير بطرق التجارة الموصلة بين بلاد المغرب وبلاد غرب أفريقيا عبر الصحراء الكبرى، وعلى طول ساحل المحيط الأطلسى قامت هذه الطرق بدور مهم في نشر الإسلام في السنغال وأعالي النيجر ومنطقة بحيرة تشاد.
كما شهدت أفريقيا هجرات عبر التاريخ بسبب الظروف السياسية أو العوامل المناخية نحو أفريقيا والعكس أيضا، كانت اليمن اللاعب الرئيس في العلاقات بين الأفارقة والعرب، فمنها كانت تنطلق الرحلات التجارية إلى أفريقيا مثلما كانت تتجه إلى الشام، ومنها بدأت علاقات التزاوج بين العرب والأفارقة وهو ما يفسر وجود عدد من السكان العرب يتشابهون جينيا مع الأفارقة.
ساهم الغزو الحبشي لليمن في القرنين الرابع والسادس الميلاديين، في نزوح كثير من الأفارقة إلى الجزيرة العربية، ما أدى إلى زيادة التواصل التجاري، الاجتماعي، الثقافي، الديني، كما هاجرت بعض القبائل العربية لتستقر في ساحل شرق أفريقيا، ومنها وصلوا إلى ممالك أفريقيا الوسطى حتى وصل بعضهم إلى الغرب الأفريقي، “بلاد اليوروبا” غربي نيجيريا حاليا، ثم التزاوج مع الأفريقيات، لتنشأ أجيال جديدة تحمل الصفات الجينية العربية.
تمكن المسلمون في القرن الأول الهجري من بناء عدد من الموانئ التجارية على ساحل أفريقيا في عهد عمر بن الخطاب، الخليفة الثاني، الذي بدأت في عهده تتكون معالم الدولة الإسلامية، كما بدأت حركة الفتوحات الإسلامية للدول المجاورة، حتى أن العصر العباسي شهد تأسيس إمارات إسلامية صغيرة على الساحل، وقرب الساحل، لكن لم تكن ذات تأثير سياسي.

You might also like