التجنيس مجدداً

0 299

حسن علي كرم

[email protected]

يشهد التاريخ ان الكويت كانت اول البلدان الخليجية التي وضعت قانوناً للجنسية، واول دولة خليجية شرعت بتجنيس غير المواطنين، من ذوي الكفاءات العلمية والطبية والرياضية والثقافية، ويشهد التاريخ ان الكويت لم تكن لتصل الى كأس العالم، ويشارك فريقها كتفاً بكتف مع اباطرة الكرة العالمية لولا تجنيس رياضيين اكفاء كانوا مثالاً للرياضة، والفن الكروي.
ويشهد التاريخ لم يكن ليزدهر الفن و ينتشر من غناءٍ وموسيقى ومسرح ودراما وتلفزيون وإذاعة، لولا الكفاءة الوافدة وتجنيس بعضهم، ويشهد التاريخ ان الثقافة والصحافة لم تكن لتترسخ في الكويت وتجعل من الكويت منارة للثقافة في منطقة صحراوية جرداء بليدة، لا تصدر غير الغبار الأصفر لولا وفود المثقفين الذين لم يفدوا للحاجة وجمع المال فحسب، وانما وجدوا في الكويت التربة المناسبة لبث الثقافة والوعي الثقافي ، لذلك لم يبخلوا على وطنهم الجديد بمواهبهم وعصارة افكارهم، وهذا لا يعني ان الكويت قبل مجيء الوفود الوافدة انها كانت وطنا للأشباح او بقايا اموات، انما كانت ارضاً تحمل تربة خصبة وثرية، ورمالها تخرج ذهباً، كانت هناك النخب المثقفة، كتاباً وشعراء فطاحل ورواد مسارح ومغنين من ابناء الكويت، الذين كانوا يحملون آلاتهم الموسيقية يتنقلون من بلدٍ الى بلدٍ، حيث يساهمون في نشر الاغنية الكويتية، وفي تعريف العالم ان هناك بلداً يقبع على راس الخليج العربي اسمه الكويت.
كانت للكويت تجارة نشطة ومزدهرة ، بمثابة رئة الخليج والمناطق المجاورة، وكان هناك تجار أفذاذ ونواخذة سفن، اشتهروا بالمهارة والإقدام، هذه الكويت، فإذا شرعت في التجنيس في حقبة ثرية وفي ارض تحتاج الى المزيد من الرواء، لم يكن هناك مَن عارض او ضاق صدره بالمتجنسين، بل لعل التجنيس كان حافزاً لتحريك الدماء الباردة، وتحفيز الانتاج، كنّا لاشك في تلك الحقبة محسودين، لاننا كنّا المنارة التي أضاءت سماء المنطقة، في وقت كانت ستائر الظلمة تغطي تلك الأصقاع، لكن كما قال الاولون الدنيا دوارة، وهاهم الذين كانوا يرزحون تحت نير الظلمة أزاحوا عن صدورهم تلك الأستار وانكشفوا على النور والشمس الساطعة التي أضاءت لهم أفق السماء، يرون مواقع اقدام ويَرَوْن الدنيا على حقيقتها والعالم كيف يتقدم، فحددوا مسار مستقبلهم، أما نحن فيبدو أننا قد تجمدنا او توقفنا على حافة المستقبل تاركين للآخرين خط السير، كما لو تحولت الكويت الى جزيرة معزولة او منطقة متجمدة انقطع عنها كل خطوط الاتصال مع العالم، الكلام في هذا قد يطول وموجع ، لكن يبقى ثمة فسحة من الأمل ، الذي نتشبث به.
ورغم كل ذلك، لسنا دولة فاشلة، او على حافة الفشل، فالكويت تبقى ثرية بشبابها المتعلمين، الذين ينافسون أقرانهم في المنطقة و في العالم بالمؤهل و الوعي و الثقافة و الإبداع ، الا ان ذلك لا يعني الا مكان للآخرين ليشاركونا البناء والتقدم والتنمية، فالصين التي تتقدم على العالم في عدد السكان “مليار و 300 مليون إنسان تقريباً”، والصين التي باتت تغرق أسواق العالم بإنتاجها، من الإلكترونيات والملابس والاجهزة الكهربائية، بل حتى السيارات وغير ذلك من الاحتياجات الانسانية ، هذه الصين لن تتردد اذا لزم الامر ان تستعين بمواهب اجنبية، ولن تتوانى ايضاً اذا لزم الامر ان تجنس ذوي الكفاءات و المؤهلات المتميزة.
بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا ، سرقت او اختطفت او استقطبت او نقلت كل من أميركا وروسيا اللتين قسمتا ألمانيا الى دولتين “ألمانيا الشرقية و ألمانيا الغربية” العلماء الألمان الذين قدموا خبراتهم ومهاراتهم وعلومهم الى اوطانهم الجديدة، فتقدمت أميركا بفضل العلماء الألمان الذين اختطفتهم في مجالات تصنيع الاسلحة، وصناعات اخرى، قرين ذلك حدث في الدولة الشيوعية الاتحاد السوفيتي، حيث اشتد الصراع بين الرأسمالية الغربية والاشتراكية الشرقية، نحن لا نطمح أن ناخذ مكان الاشتراكيين أو الراسماليين ولا ان نكون القوة الجبارة المنافسة للاميركان أو الروس أو حتى الصين التي خرجت من القمقم وباتت تخيف اعظم الصناعات واقوى الدول، انما غاية طموحنا ان نصطف الى جوار جيراننا لا ان نتخلف عنهم وننزاح اخر الصفوف.
هناك الان شغف لدى جيراننا بالتجنيس، ما يعني ان هناك حاجات قد استجدت فدفعتهم الى ذلك، لكن ليس التجنيس على طريقتنا التي استمرأناها “خشمك إذنك ” التي أفضى تجنيس البلداء الذين لا خير فيهم مجرد ارقام ، كسالى غير منتجين، يثقلون كاهل الدولة، هذا التجنيس وبال على البلاد و مرض عضال و لا يتأتى منه خيراً، ووقفه خير من استمراره، التجنيس الذي نعنيه هو تجنيس النخبة المبدعة و المنتجة، بمعنى ان يكون التجنيس على معيار الكفاءة والانتاج و الإبداع، وعلى أساس احتياجات الدولة، فقد قلت في مقالات سابقة ان الكويت أشبعت بالتجنيس، لكن تجنيس الكفاءات مثل العملة النادرة.
فالمبدعون والعباقرة واصحاب المواهب قلة، ومطلوبون في كل العالم وبخاصة العالم المتقدم، بل تجنيسهم مكسب للدولة، بغض النظر عن الدين واللغة والعقيدة والمذهب، ان تجنيس الكفاءات تقوية لعضلات الدولة، انت تجنس لحاجة التنمية، لا تجنس الكسالى والمعوقين.
ينبغي ان يطول التجنيس المواهب الشابة النشيطة المنتجة التي تستطيع العطاء والانتاج، لذا ينبغي تعديل الفقرة 3 مادة 8 من قانون الجنسية لاتاحة المجال لتجنيس الكفاءات، لا تلتفتوا الى ولولة الأنانيين والظلاميين والمتخلفين، هؤلاء لا يحاربون الشياطين، بل يحاربون المصلحين لأنهم يَرَوْن فيهم نهايتهم، لا تغلقوا البلاد، بل اشرعوا الابواب، ان غلقها انتحار.
صحافي كويتي

You might also like