التحكيم بين الزوجين تشريع قرآني لإصلاح ذات البين الأساليب النبوية في معالجة المشكلات الزوجية (9)

0

يقول الحق تبارك وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، (سورة الأحزاب الآية: 21). فهو صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة في كل ما يهم الإنسان في حياته وشؤونه، والنموذج الأوحد في الكمال الإنساني والرقي الحضاري، وتعاليمه صلى الله عليه وسلم هي البوصلة الهادية الى الطريق المستقيم وبها يكون التوازن والاستقرار المنشود للحياة الزوجية وتكوين الأسرة المسلمة السعيدة، وفي دراسة متعمقة وعلى مدى أيام الشهر المبارك نقدم رؤية تحليلية للحياة الزوجية في بيت النبوة، ونتعرف على منهج النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله داخل منزله وخارجه، كما نتعرف على أساليبه صلى الله عليه وسلم في معالجة المشكلات الزوجية في بيته الكريم، ونرصد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته.

يؤكد أبو بكر بن العربي في كتاب «أحكام القرآن»، أن آيات القرآن الكريم تحدثت عن ضرورة المبادرة والتصدي لمعالجة أي خلاف زوجي، يهدد باضطراب العلاقة الزوجية، وطرح مشروعاً للمعالجة والحل، يتمثل في اختيار حكم من عائلة الزوج، وآخر من عائلة الزوجة، ينتدبان لدراسة مشكلة الخلاف بينهما، ويقترحان ما يلزم للحل، وأمرهما يكون نافذاً على الزوجين لقول الحق تبارك وتعالى: ?وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا?، (سورة النساء الآية: 35).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: «والحَكَمان كما سمَّاهما الله – تعالى – هما حَكَمان عند أهل المدينة وأحد القولين للشافعي وأحمد. وعند أبي حنيفة والقول الآخر لهما: هما وكيلان»، ثم رجح الأول فقال: «لأن الوكيل ليس بحكـم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من أهله، ولا يختص بحال الشقاق، ولا يحتاج إلى نص خاص».
واستدل أصحاب هذا القول بظاهر قوله – تعالى -: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا}. قال ابن العربي: «هذا نص من الله – سبحانه – في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحَكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بيَّن الله – سبحانه – كل واحد منهما فلا ينبغي لشاد – فكيف لعالم – أن يركب معنى أحدهما على الآخر، فذلك تلبيس وإفساد للأحكام»[24 أحكام القرآن]. وبعد عرض أدلة الفريقين يظهر رجحان القول: إنهما حاكمان ينفذ فعلهما كما ينفذ فعل الحاكم في الأقضيــة.
ويذكر العلامة عبد الله بن مودود الموصلي الحنفي في كتابه « الاختيار لتعليل المختار»: أن التحكيم في اللغةً: جعل الحكم إلى الآخر ليحكم، يقال: حكَّمتُ فلاناً في مالي، إذا جعلتُ الحكم إليه فيه، وحكَّمتُ الرجل: فوضتُ الحكم إليه، وحكَّموه في الأمر تحكيماً أمروه أن يحكم وأجازوا حكمه. فالتحكيم في اللغة هو: اختيار شخص وتفويض الأمر إليه للفصل بين المتنازعين. والتحكيم في اصطلاح الفقهاء هو: تولية الخصمين حاكماً يحكم بينهما. وحكم المحكَّم – بفتح الكاف – ملزِم للخصمين لولايته عليهما، فيكون التعريف الجامع للتحكيم هو: «اتفاق بين طرفي خصومة معينة، على تولية من يفصل في منازعة بينهما، بحكم ملزِم، يطبق الشريعة الإسلامية».
ويشترط في المحكَّم أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً عدلاً معيَّناً بالاسم أو بالصفة، أهلاً للقضاء وتحمل الشهادة، غير خصم، وعالماً بموضوع الخلاف. فهذه الشروط مطلوبة التحقق فيمن تسند إليه مهمة التحكيم، واشتراط وجودها في الحَكَم بين الزوجين من باب أَوْلى.
قال القرطبي: «والحَكَمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة، إذ هما أقعد الناس بأحوال الزوجين، بشرط كونهما من أهل العدالة وحسن النظر والتبصر بالفقه، فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل غيرهما من أهل الثقة والعدل، كل ذلك إذا أشكل الأمر، فإن عَلِمَ القاضي مَن الظالم مِن الزوجين فإنه يأخذ منه الحق ويجبره على إزالة الضرر».
واختيار الحكمين من أهل الزوجين، يقصد منه الاستفادة من عاطفتهما، وحرصهما على مصلحة الزوجين القريبين منهما، كما أن إطلاعهما على أسرار حياة الزوجين، لا يشكل إحراجاً كبيراً، كإطلاع الأجانب ضمن المحاكم العامة، إضافة إلى تجاوز هذا التحكيم العائلي قيود ونفقات المحاكم العامة.
ويشترط الحافظ ابن حجر في كتاب «فتح الباري»، أن يأتي كل واحد من الحكمين بقصد الإصلاح، وعودة الانسجام والوئام بين الزوجين، لا بقصد الانتصار لطرف، أو الانتقام من الآخر. وهذا ما يؤكد عليه قوله تعالى: ?إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا?، وأيضا الآية الكريمة ?وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ… ? توجه أمراً بالمبادرة إلى بعث حكمين للمعالجة والإصلاح، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه مستحب وأن الأمر في الآية، (إرشاد إلى طريق من طرق الإصلاح فلا يستفاد منه الوجوب).
ويبدو للمتأمل في الآية الكريمة: أن الموضوع من الإصلاح والمعروف، وهو محبوب عند الشرع، بل عند جميع الناس، فالخطاب متوجه إلى كل من يطلع على الموضوع، ويتمكن على رفع الشقاق بينهما، بقول حسن، وتدبير لطيف ونحوهما، مثل قوله تعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، (سورة الحجرات الآية: 10).
وليس هناك خلاف في جواز المبادرة واستحبابها من أجل إصلاح ذات البين، من قبل أي جهة، كأن يبادر الزوجان أو أهلوهما، أو الحاكم، أو غيرهم، فإذا بعث الزوجان حكمين من قبلهما، يعتبران وكيلين فيمضي قرارهما في حدود الوكالة الممنوحة لكل منهما، لا أكثر، وليسا حكمين حينئذٍ، في رأي أكثر الفقهاء.
ويقول الشيخ محمود المصري في كتابه «الزواج الإسلامي السعيد»: أن الهدف الأساس للتحكيم، هو إصلاح العلاقات الزوجية، التي أصابها النزاع والشقاق، وإرجاعها إلى حالة الوفاق والوئام. ولإنجاز هذه المهمة، على كل من الحكمين أن يتحدث مع من يمثله بصراحة وانفتاح، ليعرف واقع حالته، وما يشكو منه، وما يطلبه، ويتحاور معه في الموضوع، للوصول إلى نتيجة للمعالجة.
ثم يلتقي الحكمان ويتدارسان الأمر بصراحة ووضوح، لا يخفي أحدهما على الآخر شيئاً مما له ارتباط بمعالجة الموضوع. ويتفقان على رأي واحد للحل، ورأيهما ملزم للطرفين، فكل ما استقر عليه رأيهما وحكما به نفذ على الزوجين، ويلزم عليهما الرضا به
إن المنهج الإسلامي لا يدعو إلى الاستسلام لبوادر الشقاق والفراق ولا إلى المسارعة بإنهاء عقدة النكاح، وتحطيم بيت الزوجية، فمؤسسة الأسرة عزيزة على الإسلام، بقدر خطورتها في بناء المجتمع، وفي إمداده باللبنات الجديدة، اللازمة لنموه ورقيه وامتداده. لذا شرع التحكيم كوسيلة أخيرة – عند خوف الشقاق – فيبادر قبل وقوع الشقاق فعلاً . . ببعث حكم من أهلها ترتضيه، وحكم من أهله يرتضيه يجتمعان في هدوء بعيدين عن الانفعالات النفسية، والرواسب الشعورية، والملابسات المعيشية، التي كدرت صفو العلاقات بين الزوجين، ويجتمع الحكمان لمحاولة الإصلاح، فإن كان في نفس الزوجين رغبة حقيقية في الإصلاح، وكان الغضب فقط هو الذي يحجب هذه الرغبة، فإنه بمساعدة الرغبة القوية في نفس الحكمين، يقدر الله الصلاح بينهما والتوفيق.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة + 3 =