التخيير أسلوب نبوي في الوئام بين الزوجين الأساليب النبوية في معالجة المشكلات الزوجية 6

0

يقول الحق- تبارك وتعالي: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، (سورة الأحزاب الآية:(21). فهو صلى الله علىه وسلم القدوة والأسوة في كل ما يهم الإنسان في حياته وشئونه، والنموذج الأوحد في الكمال الإنساني والرقي الحضاري، وتعاليمه صلى الله علىه وسلم هي البوصلة الهادية إلى الطريق المستقيم وبها يكون التوازن والاستقرار المنشود للحياة الزوجية وتكوين الأسرة المسلمة السعيدة، وفي دراسة متعمقة وعلى مدى أيام الشهر المبارك نقدم رؤية تحليلية للحياة الزوجية في بيت النبوة، ونتعرف على منهج النبي صلى الله علىه وسلم مع أهله داخل منزله وخارجه، كما نتعرف على أساليبه صلى الله علىه وسلم في معالجة المشكلات الزوجية في بيته الكريم، ونرصد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته.

يقول الدكتور إبراهيم بن علي الحسن في كتابه “من وسائل علاج المشكلات الزوجية في ضوء الكتاب والسنة”: اختار النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ولنسائه معيشة الكفاف والرضا بأدنى القوت، وقد كان يمضى الشهر والشهران لا يوقد في بيوته نار، اكتفاء بالتمر والماء، وكان نساؤه راضيات صابرات، حتى رأين المال يفيض بين يديه صلى الله عليه وسلم فتحركت في أنفسهن -رضي الله عنهن- الرغبة في تغير الحال، وطمعن في زيادة النفقة، قال أبو حيان: (لما نصر الله نبيه، وفرق عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير ظن أزواجه أنه أختص بنفائس اليهود، وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله! بنات كسري وقيصر في الحلي والحلل، والإماء والخول، ونحن على ما نراه من الفاقة والضيق، وآلمن قلبه بمطالبهن له بتوسعة الحال وأن يعاملهن بما يعامل الملوك والأكابر أزواجهن).
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصغ إلي تلك المطالبة، ولم يلتفت إلى متاع الحياة الدنيا، وأبى إلا أن يظل على الحالة الأولى التي اختارها لنفسه، استعلاء على رغبات النفس، وحرصا على الكمال البشرى المنشود، وتفرغا للمهام الكبرى، ولما بالغت أزواجه في المطالبة، نزلت آيتا التخيير، فقال الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا). (سورة الأحزاب الآية: 28، 29).
فعن جابر رضي الله عنه قال: دخل أبو بكر يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبى بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نسائه واجماً ساكتاً، قال فقال: لأ قولن شيئا يضحك النبي صلى الله عليه وسلم به فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة -يعنى امرأته- سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: “هن حولي كما ترى يسألني النفقة” فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا أبدا ما ليس عنده، ثم اعتزلهن شهراً، أو تسعا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ) حتى بلغ (لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) قال: فبدأ بعائشة فقال: “يا عائشة! إن أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك”.
قالت: قلت وما هو يا رسول الله!. فتلا عليها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الآية، قلت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا”، (رواه مسلم).
ويذكر الدكتور عبدالسميع محمد الأنيس في كتابه “الأساليب النبوية في معالجة المشكلات الزوجية”، أن من الأساليب النبوية في معالجة الخلافات الزوجية أسلوب التخيير والتشاور وأبلغ نموذج علي ذلك قصة التخيير، وهي قصة كشفت عن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم الحكيم مع المشكلات الاقتصادية التي تنشأ داخل الأسرة بسبب المطالبة بزيادة النفقات … وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم في حل هذه المشكلة (أسلوب التخيير) وهي صورة مشرقة من صور مبدأ الشورى، وكيف يمكن الاستفادة منه في نظام الأسرة، واستقرار الأسرة يستحق منا كل اهتمام، ذلك لأنها تمثل أخر حلقة من الحلقات التي يستهدفها التأمر الغربي في صراعه مع الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا، واستقرار الأسرة أمر مهم حتى تتمكن من القيام بمسئولياتها في تربية الأجيال وتنشئتهم تنشئة صالحة، وعدم استقرارها يعطل هذا الدور المنوط بها.
فقد أجازت الشريعة الإسلامية للمسلم أن يخير زوجته بين البقاء عنده أو مفارقته إذا طالبته بأمور لا يستطيع الوفاء بها، وهو باب من أبواب تفويض الطلاق للزوجة. قال الخطيب الشربيني : (جواز تفويض الطلاق للزوجة: هو جائز بالإجماع، واحتجوا له أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم خير نساءه بين المقام معه، وبين مفارقته لما نزل قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ).
نشهد في هذه الحادثة لونا من ألوان تكريم المرأة باستشارتها وتخييرها في أن تأخذ القرار الذي تريده سواء في البقاء باعتبارها عضوا فاعلاً في هذه الأسرة والعيش مع هذا الزوج في ضوء إمكانياته، وعلى المنهج الذي رسمه لحياته، شريطة عدم الإضرار بها أو التقصير في حقها، أو أن تختار الحياة التي ترضاها وتجد فيها ما تستريح له. وأيضا نشهد في هذه الحادثة أدبا كريما من أداب حل المشكلات الزوجية وهو التروي والهدوء وعدم الاستعجال باتخاذ القرار عند نشوب الخلاف، فإن في العجلة الندامة يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: (إني ذاكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه …).
ويؤكد الشيخ محمود المصري في كتابه “الزواج الإسلامي السعيد”، أن من الدروس المهمة التي يجب أن يتعلمها الزوج المسلم من حادثة التخيير أن يطلب الزوج من زوجته الاستعانة بمشورة الأبوين إذا كانا صالحين عاقلين أو من يقوم مقامهما في حال غيابهما في اتخاذ القرار في حال نشوب الخلاف، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (وحتى تستشيري أبويك …) قالت عائشة: (وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه). وأؤكد على مشورة الأبوين الصالحين؛ لأن صلاحهما يدفعهما إلى الإصلاح.. أما إذا عدم الصلاح والعقل فإن المشورة ستزيد من تفاقم المشكلة، وسيكون لها نتائج سيئة على مستقبل الأسرة وضمان استقرارها.
ونشهد في هذه الحادثة أثر التقوى في انصياع أزواج النبي الطاهرات إلى الحق، والتعهد بالسير عليه وعدم الإصرار على المطالبة بما يؤدي إلى إحراج الزوج، يدل على ذلك قولهما: “والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده”. والمطالبة بزيادة النفقات والإكثار من الطلبات أمر محرج للزوج لاسيما إذا كان يمر بظروف عصيبة تمنعه من المبادرة والإجابة السريعة، وقد تدفع الزوج الذي لا يملك مخافة الله إلى الطرق المحرمة في الكسب فيضر بنفسه وأسرته فكم رأينا من أسرة انفرط عقدها وتفرق شملها عندما اضطر الزوج فمد يده الى رشوة محرمة، أو سرقة ظالمة أو متاجرة بأمر حرمه الله فدفعه ذلك إلى الحرام الآثم دفعا.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

10 + 6 =