التدبر في آيات الله من أشرف الأمور وأجلِّها وأفضلها مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (21)

0

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يقول الدكتور خالد بن عثمان السبت في كتاب “الخلاصة في تدبر القرآن الكريم”: معلوم أن شرف الشيء بشرف متعلقِه، ولما كان التدبر يتعلق بكتاب الله تعالى، صار من أشرف الأمور وأجلها وأفضلها. وللتدبر من النتائج والثمرات ما هو في غاية النفع والفلاح والنجاح. قال الآجري رضي الله عنه: “والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره، أحب إليَّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة، وأقوال أئمة المسلمين”. والتدبر شأن العَالِمِين الذين يعقلون آيات الله ويتفهمونها.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المشتغلين بذلك هم خير الناس؛ كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”، وقال تعالى: (وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)، (سورة آل عمران الآية: 79).
فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له، من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى. وأنه لا سبيل إلى تحصيل النجاح والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة والمطالب العالية والكمالات إلا بالإقبال عليه وتدبره وتفهمه.
وقال الحافظ ابن القيم الجوزي في كتاب “مدارج السالكين”: “فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع، والعمل الصالح، وهما الهدى ودين الحق، وبتكميله لغيره في هذين الأمرين؛ كما قال تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، (سورة العصر الآيات: 1-3)، أقسم سبحانه أن كل أحد خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه، فالحق هو الإيمان والعمل الصالح والفلاح والنجاح، ولا يتمان إلا بالصبر عليهما، والتواصي بهما-: كان حقيقًا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره، بل أنفاسه، فيما ينال به المطالب العالية، ويخلص بهِ من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره، واستخراج كنوزه، وإثارة دفائنه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمة عليه، فإنه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد.
وأنه الطريق إلى معرفة العبد لخالقه جل جلاله معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو الطريق إلى معرفة صراطه المستقيم الذي أمر العباد بسلوكه، وقال الحافظ ابن رجب: “وأما النصيحة لكتاب الله، فشدة حبه وتعظيم قدره؛ إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، وشدة العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، أو يقوم به له بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من العباد يفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه، عني بفهمه؛ ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب ربه؛ يعن بفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يحب ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه”.
وأيضا قال الحافظ ابن رجب: “ومن أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن، وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم؛ قال خباب بن الأرت لرجل: تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه”.

حق وصدق
عن ابن القيم الجوزي في كتاب “مفتاح دار السعادة” قال: “ندب الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن؛ فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علما ضروريا ويقينا جازما أنه حق وصدق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق، وأن الذي جاء به أصدق خلق الله وأبرهم وأكملهم علما وعمل ومعرفة؛ كما قال تعالي: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، (سورة النساء الآية: 82)، وقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها)، (سورة محمد الآية: ??)؛ فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علما ضروريّا- يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح والألم والحب والخوف- أنه من عند الله، تكلم به حقا، وبلغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد، فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد، وبه احتج هرقل على أبي سفيان، حيث قال له: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا! فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد”.
ولذا فإنه من المهم تدبر القرآن لاستخراج الأحكام منه، سواء كان ذلك مما يتصل بالعقائد، أو الأعمال المتعلقة بالجوارح، أو السلوك؛ إذ الأحكام تشمل ذلك كله بمفهومها الأوسع. وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: “فمن تدبر القرآن وتدبر ما قبل الآية وما بعدها وعرف مقصود القرآن، تبين له المراد، وعرف الهدى والرسالة، وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج”. وقال: “ومن تدبر القرآن طالبا للهدى منه، تبين له طريق الحق”.
ولابد من تدبره للوقوف على ما حواه من العلوم والأخبار والقصص، وما ورد فيه من أوصاف هذه الدار، وما بعدها من الجنة أو النار، وما وصف الله تعالى فيه من أهوال القيامة ونهاية الحياة الدنيا، وأوصاف المؤمنين والكافرين بطوائفهم، وصفات أهل النفاق، إضافة إلى الأوصاف المحبوبة لله تعالى، والأوصاف التي يكرهها… إلى غير ذلك مما يلتحق بهذا المعنى.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

1 × واحد =