الترجمة والتواصل الإنساني… في “الثقافة العالمية”

0 3

تطرح الثقافة العالمية في عددها الجديد ملف الترجمة والتواصل الانساني،ويقدم العدد مجموعة أخرى من الملفات التراث مرجعا للهوية وأول امرأة تترجم الأوديسة الى الانكليزية وايضا حروب السكر وعلم تجارب معايشة الموت.
الفكرة التي قامت عليها “الثقافة العالمية”، هي ترجمة المقالات والأبحاث ذات الموضوعات المتميّزة، التي يمكن أن تثري الساحة الثقافية العربية، من مختلف لغات العالم، وسارت على هذا النهج منذ بداية صدورها حتى يومنا هذا، فهي تجسد الأهمية البالغة للترجمة، التي باتت اليوم من أبرز الأنشطة العلمية والأكاديمية والثقافية.
وبالعودة إلى التراث المعرفي الإنساني، نجد أن الترجمة أدت أدواراً مهمة في الحضارات، التي سبقت الحضارة المدنية الحديثة، حيث ظهرت أهميتها الكبرى منذ أن نجح اليونانيون في صياغة الأسس النظرية للعلوم، التي كانت تُمارس بشكل عملي في معظم حضارات الشرق الأوسط القديمة. ولا شك في أن هناك تواصلاً وأنماطاً من الترجمة قبل الحضارة اليونانية، لكن لا توجد أدلة قاطعة على ذلك نظراً لاندثار كثير من الشواهد في عدد من الحضارات السابقة. والترجمة قامت على نقل المعرفة من حضارة، أو أمة، أو شعب ما، إلى حضارات أو أمم أخرى، بالإضافة إلى نقل الإبداعات الثقافية والفنية والأدبية. ولعل خير شاهد على ذلك هو العلم، فمنذ أن صاغ اليونانيون الأسس النظرية للعلم، التي حفظت جانباً مهماً من العلوم القديمة، أدت الترجمة دوراً أساسياً في تطور العلوم من حضارة إلى أخرى وحتى يومنا هذا، فكما هو معروف كانت اليونانيةلغة العلم ، وبعد انهيار الحضارة اليونانية، تحولت لغة العلم إلى العربية بعد ازدهار الحضارة العربية الإسلامية وقيام حركة الترجمة، التي نقلت العلم اليوناني إلى العربية. وعند نهاية العصور الوسطى، نشطت حركة الترجمة الأوروبية للعلوم العربية والإسلامية، ونتج عن ذلك تحول لغة العلم إلى الإنكليزية منذ عصر النهضة وحتى يومنا هذا، الذي يشهد ترجمة كثير من العلوم المعاصرة، من اللغة الإنكليزية وإليها، إلى لغات أخرى.
والترجمة ليست بالأمر الهيّن، ولا يجيدها كل من درسها أو حاول الترجمة، فهي تحتاج مهارة ودراسة وفهما ومعرفة وحسا دقيقا ودراية بنظريات المعنى، وإدراك ثقافات الشعوب، ومعرفة معتقداتها وأفكارها، والقضايا والمشكلات السائدة في مجتمعاتها، فالترجمة الفعلية والسليمة ليست ترجمة حرفية، بل تلك التي تفهم معاني الكلمات في سياقها اللغوي والثقافي، الذي يسبغ على المفردة اللغوية حيوية ومرونة في تحديد المعنى.
وهناك إشكاليات عدة تبرز في عملية الترجمة بحسب طبيعة المادة المترجمة، فالترجمة العلمية المتخصصة بالعلوم التجريبية تكون أسهل من غيرها نظراً للدقة الموجودة في العلم التجريبي، وعدم تعدد معنى المصطلح، كما هو الحال في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فالعلوم الأخيرة تصنع عدداً من الإشكاليات عند ترجمة جوانب عدة منها، خصوصاً ما يتعلق بالقيم والمفاهيم والتصورات التي تتضمنها، حيث يحدد معنى العديد منها ضمن الإطار الثقافي للمجتمعات التي تظهر فيها، أما الترجمات الأصعب، فتلك التي تتعلق بالإبداعات الفنية، خصوصاً الأدبية، فترجمة الشعر والراوية والقصة تحتاج إلى مهارة فائقة ودراية فنية وفهم للثقافة والفكر، الذي جاء منه النص الأدبي، وكيفية استخدام التعبيرات اللغوية فيه.
ومع التطورات التكنولوجية المتسارعة في العقدين الأخيرين، تأثرت الترجمة بشكل كبير بذلك، حيث أصبحت هناك برامج تعمل على ترجمة النصوص من لغة إلى أخرى، سواء كتابة أو حتى من خلال المحادثة المباشرة، كما تم تطوير برامج جديدة تجاوزت عدداً من المثالب الموجودة في البرامج القديمة، وأصبحت أكثر دقةً من سابقتها. وقد أثار ذلك إشكاليات عدة أبرزها : هل يمكن الاعتماد على الترجمة الرقمية؟ وإلى أي حد تكون تلك الترجمة دقيقة؟ وهل من الممكن أن تحل محل المترجم العادي ؟ ولا شك في أن التقدم التكنولوجي في الترجمة يصعب أن يحل محل العامل الإنساني في الترجمة حتى اللحظة لأسباب عدة سنجد بعضها بين ثنايا الملف، الذي يقدمه العدد.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.