الترياق السوري في أستانة

ثمة بارقة أمل في امكانية خروج سورية من دوامة القتل والتدمير والتهجير، وهي مفاوضات العاصمة الكازاخية أستانة، التي لا شك ستكون المنعطف الابرز نحو السلم الاهلي وعودة النازحين، اذا اديرت بشكل جيد، وخفَّف كل طرف من شروطه ومطالبه المستحيلة التحقق في ظل الوضع الميداني الحالي.
بعد نحو ست سنوات على الحرب الأهلية بات واضحا للجميع ان لا المعارضة قادرة على الحسم لمصلحتها، وهي على هذا النحو من الانقسام والنفعية المتحكمة بعدد من فصائلها، ولا أيضا تستطيع المحافظة على مناطق سيطرتها بعد التخلي المتدرج عنها من قبل الدول الداعمة لها بسبب الصبغة المتطرفة الطاغية على غالبية فصائلها، بل بروز جماعات ارهابية فيها تمثل تهديدا لمختلف دول العالم.
أما في ما يتعلق بالنظام الذي استطاع البقاء طوال السنوات الماضية تحت مظلة التحالف المساند له استعادة العديد من المدن والقرى، اضافة الى امساكه بالجيش والأمن والممثليات الديبلوماسية في الخارج والبنك المركزي والاقتصاد والخدمات كافة، مستفيدا من خط الدعم الايراني والروسي المفتوح في هذا الشأن، ومستعينا بعدد من الميليشيات الطائفية، وفي مقدمها “حزب الله” اللبناني، ولا شك ان هذه المنظومة التي تعتبر الصراع في سورية مسألة حياة او موت لن تتركه، فيما يبقى الشعب وحده يدفع الثمن، قتلا وتهجيرا وتدميرا وافقارا.
إن خروج سورية من نفق الحرب عبر مفاوضات أستانة لا بد ان يشكل مرجعية عربية تساعد على وضع حد للحروب الاهلية في العراق وليبيا وغيرهما من الدول العربية التي كانت ضحية ما سمي الربيع العربي، حين جلبت بعض القوى السياسية في تلك الدول جنون القتل والتدمير والفوضى الى بلادها، وياليتها ابقت على “مجانينها” كي لا يأتيها الاجن منهم، عملاً بالمثل الكويتي “خليك على مجنونك لا يجيك الاجن منه”، ولم تدفع الناس خلف شعارات حماسية كانت تدرك اصلا استحالة تحقيقها.
ثمة حقيقة على الجميع اليوم الاعتراف بها، وهي ان الاسد لم يسقط، ويبدو ان دول الاتحاد الاوروبي أدركت ذلك فبدأت بفتح قنوات اتصال مع دمشق تمهيدا لاعادة العلاقات معها تحت ضغط ازمة اللاجئين التي باتت هاجسا حقيقيا لها، اضافة الى تبدل المزاج السياسي الاميركي بعد فشل ادارة الرئيس، المنتهية ولايته باراك اوباما، ليس في سورية وحدها، انما في الشرق الاوسط ككل، وهو ما ساعد على فوز دونالد ترامب صاحب الخطاب المهادن لروسيا والرؤية المختلفة للملف السوري.
منذ نحو سنتين يجري الحديث عن اختيار معارضة مسلحة معتدلة في سورية، والى اليوم لم تعلن الولايات المتحدة الاميركية، ولا حتى صقور الاتحاد الاوروبي، او الدول العربية الداعمة للثورة السورية قائمة بتلك الفصائل، ايضا لم تتفق المعارضة السائحة بين فنادق الخمس نجوم على مرجعية واحدة للتفاوض، حتى الموقعون على بيان جنيف الاول، الذي على اساسه يمكن ان تجري مفاوضات أستانة لم يعودوا يمسكون بالارض، وهذا الوضع يفرض استغلال الفرصة المتاحة حاليا، والا فان سورية التي نعرفها لن تبقى كما هي لا في الجغرافيا او حتى العروبة.
أن يعود المهجرون السوريون الى بلدهم ويبدأون اعمارها، وبعدها يقرر الشعب شكل الدولة التي يريد، ومن يحكمه، هذا حق طبيعي له، كما هو حق كل الشعوب التي بعضها تحكمه أنظمة اكثر بشاعة من نظام دمشق الحالي الا انها لم تلجأ الى تدمير بلادها لتغيير النظام، وهذا لا يمكن ان يتحقق إلا اذا مارست المعارضة التي ستشارك في مفاوضات أستانة المرونة وتخلت عن شعارات القتال حتى النصر لأنها بغير ذلك ستزيد من تفاقم المأساة ما يؤدي الى شطب سورية من الخريطة.

أحمد عبد العزيز الجارالله