السخط إثم عظيم قد يصل بصاحبه إلى الكفر

التصالح مع الواقع ينقذك من الاكتئاب السخط إثم عظيم قد يصل بصاحبه إلى الكفر

القاهرة – علا نجيب:
لكل انسان أحلامه التي يسعى لتحقيقها من أجل حياة هانئة ومستقبل مطمئن، الا أن الغالبية تصطدم بواقع صعب ومستقبل غير واضح المعالم، فتصاب بنوبات اكتئاب يعقبها ميول انتحارية، بل محاولات انتحار قد تتحقق بالفعل.
وقد نشرت دراسة علمية بالولايات المتحدة، أكدت أن 2 في المئة من الناس حول العالم تعرضوا لاضطراب الواقع لأسباب مختلفة، بعضهم انتحر فعليا، بينما تمثلت مضاعفات هذا الاضطراب في اضطرابات النوم والأكل، القلق، وقد تصل إلى هلاوس سمعية وبصرية تعرف باسم «الفصام «، ما يؤثر على العلاقات الشخصية والاجتماعية، حتى أن الشخص يصبح منبوذا ممن حوله ما يقلل من معدلات شفائه.
عن الحيل والدفاعات النفسية، التي تتمثل في رفض البعض للواقع وانكاره بشتى الطرق رافعا شعار « لا «، مستبدلا ذلك بحياة وهمية أخرى يحياها، حيث يعزل نفسه عن البيئة المحيطة، بشكل يصل به إلى الاكتئاب والتقوقع على الذات والانتحار، وأسباب الاصابة بمرض «انكار الواقع والسخط على الحياة»، كيفية علاجه والتخلص منه، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق.
يقول الدكتور سعيد راغب، أستاذ علم النفس، جامعة عين شمس: يعد مرض انكار ورفض الواقع حالة من الدفاع النفسي يلجأ اليها الانسان ليواجه حقيقة مرة أو صدمة قاسية تعرض لها، رغم وجود علامات قوية ودلائل دامغة بوجود تلك الحقائق مثل الموت أو الفشل في تحقيق هدف ما، لأن هذا الرفض يعطيه شعورا بالأمان والحماية ليجنب ذاته المعاناة النفسية أو الاحساس بالذنب والندم فيتعمد ابقاءها خارج الوعي وحصرها في اللاوعي. وهذا الفعل يؤكد عدم نضوج الشخصية باعتبارها احدي مراحل الطفولة، فالطفل يرفض تصديق كونه مقصرا أو مذنبا، كما يرفض العيش مع أناس لا يروقون له أو التناغم مع أحداث قد تسبب له ألما نفسيا.
وتتباين أسباب الاصابة بهذا المرض المعروف علميا باسم «اضطرابات التفكك أو التفارقي «، منها التعرض لاعتداء نفسي أو جنسي بمرحلة الطفولة، فمثل هذه الاعتداءات تحديدا تولد حالة من السخط على المجتمع والتعامل معه كمجتمع فاشي، لا يرحم الضعيف، ما يجعل المريض يلجأ للهرب بعيدا عنه في الكبر واعتزال الأشرار حسب تفكيره. لافتا إلى أنه من أسباب الاصابة به أيضا، التعرض لصدمة قاسية، فقدان حبيب أو صديق، اذ يظل العقل رافضا تصديق تلك الحقيقة، يحاول انكارها بشتى الطرق، تأتي المرحلة التالية متمثلة في الغضب والسخط، فيظل المريض يتساءل ويسخط لم أنا بالذات، لماذا أتعرض لصدمة بهذا الشكل، قد تعد تلك المرحلة بارقة أمل لعودة المريض للحياة الطبيعية من جديد أو انتكاسة مضاعفة تتمثل في نوبات الاكتئاب والاحباط، فيها يقرر المريض اعتزال الناس والعيش في عالمه الخاص، لعل الخطر الأكبر تفكيره في الانتحار وأحيانا انتحاره الفعلى.
لذا تعد جلسات العلاج النفسي الجماعية من أفضل الحلول اذ يتم دمج المريض مع مجموعة تعرضت لصدمات مشابهة، ويتحدثون عنها ما يخفف من ضغوطهم النفسية، ووقايتهم من الاصابة بالاكتئاب، كما يجد المريض صديقا أمينا يتحدث معه بصدق وأمانة حول مشاعره، كذلك يمكن لأدوية مضادات الاكتئاب والقلق أن تخفف من حدة أعراض المرض.

مضاعفات خطيرة
يقول الدكتور نادر نجم، أستاذ علم النفس، جامعة الزقازيق: أشكال انكار الواقع ورفضه بل والسخط عليه تتباين، ففي بعض الحالات يفقد المريض ذاكرته جزئيا، فلا يتذكر أحداثا ومواقف بعينها، عادة ما تكون السبب الرئيس لحالته تلك. وفي حالات أخرى يكون هناك اختلال واغتراب في الشخصية، فيشعر المريض كانه لا ينتمي للمجتمع الذي يعيش به، يراهم كأنه يحلم، قد تمتد تلك الحالة إلى شهور وأعوام في بعض الأحيان، أما الأصعب فتكون مرحلة تقمصه لشخصيات عدة، كل واحدة تختلف عن الأخرى، بالطبع تعد الصدمات القاسية والاعتداءات الجسدية أو الجنسية السبب الرئيسي لتعرضه لهذا المرض، كذلك أمراض المجتمع مثل التعرض للعنصرية وديكتاتورية الحكام.
وينجم عن ذلك مضاعفات خطيرة أهمها التلذذ بايذاء النفس، جسديا ونفسيا، ما يعرف باسم «جلد الذات»، لا شك أن نوبات الاكتئاب تكون الخطر الأكبر، التي عادة ما يعقبها أفكار الانتحار، التي تزوره من آن لآخر. وحتى يخرج المريض من هذه الحالة لابد من محاولات الأهل والأصدقاء لادماجه في حياة اجتماعية جديدة وسوية، التحدث معه، اشعاره أن الحياة ليست سوداوية، بل يوجد جانب مشرق بها، ولكنه لا يتأتي سوي بالعمل الجاد والتقرب إلى الله، أما من يتعرضون لصدمة فقدان حبيب فلابد من ايجاد بديل لهذا الشخص، يمده بالحنان والأمان، لكن دون التعلق المرضى به، حتى لا يتعرض لصدمة فقدانه هو الآخر.
مرض مجتمعي
تؤكد الدكتورة نوال نصر، أستاذ علم الاجتماع، أنه يمكن للمجتمع بتناقضاته المختلفة أن يساهم في ازدياد مرض رفض الأشخاص وخصوصا الشباب لبيئتهم أو حياتهم، فزيادة البطالة وانعدام تكافؤ الفرص لوجود الواسطة أو لقلة فرص العمل المناسبة له، ديكتاتورية بعض الأنظمة، التي لا تتيح لرعاياها التعبير بحرية عما يجول بصدورهم أو كشف الفساد، عادة ما يكون هذا المجتمع عنصريا يفرق بين أفراده، يقسمهم إلى هرم اجتماعي قمته الأغنياء وقاعه الفقراء، الذين يشعرون أن لا فائدة لهم في المجتمع، بل يشعرون أنهم عبء عليه، فيصابون بحالة من الرفض والسخط، فيحاولون الانتقام منه، ما يفسر سهولة استقطاب تلك الفئة المجتمعية للتنظيمات الارهابية والمتشددة، مستغلين فقرهم الشديد وسخطهم على الحياة التي يعيشوها. مشيرة إلى أنه من المعروف أن الرفض يلجا اليه المرء للهرب من المعاناة النفسية التي يشعر بها لعدم قدرته على المواجهة وتغيير الواقع المرير الذي يشعر به، فيرفضه ويهرب بعيدا عنه، انها وسيلة دفاعية طفولية قد يساهم الاعلام في تناميها حيث يتعمد القاء اللوم على أطراف خارجية، تصدير مفهوم «المؤامرة»، دعم بعض التيارات السياسية المتشددة، الايمان بأفكارها دون نقدها أو أنها بحاجة لتغيير سلوكها وعاداتها، لتبرير الأحوال الاقتصادية والاجتماعية السيئة، ما يعرف باسم «خداع الجماهير».
ويوجد شكل آخر يلجأ اليه الاعلام للتأثير على رافضي الواقع بانكار المسؤولية والتقليل من التأثير السلبي لبعض الأفعال حماية لأطراف بعينها، الا أن الخطر الناجم عن هذا التضليل يظهر في الأجيال الناشئة والطبقة المثقفة، فعندما تتجلي أمامهم الحقائق عادة ما يصابون بمرض رفض واقعهم ونوبات الاحباط الشديدة وشعورهم بالاغتراب. لافتة إلى أن المراهقين والشباب هم الأكثر تأثرا واصابة بالرفض والانكار لطبيعتهم الجامحة وخبراتهم الحياتية القليلة، لعل هذا ما يفسر ازدياد حالات الانتحار بينهم والتي زادت في الآونة الأخيرة. كما أن هناك فئة كبيرة من الفتيات قد تصاب به لتعرضها لصدمة عاطفية قاسية أو ايذاء بدني، تمثل في تحرش جنسي أو اغتصاب، جعلها ترفض فكرة الزواج وتأسيس حياة جديدة، بل وتقدم على الانتقام من الرجال ككل دون تمييز والشعور باللذة جراء ذلك.
ويجب على الاعلام ابراز النماذج الناجحة لشباب تحدوا ظروفهم الصعبة، مثل الفقر المدقع أو الاعاقات، ووصلوا لدرجات عالية، تقديم برامج ثقافية تسرد تاريخ كتابنا وزعمائنا، الذين خرجوا من مجتمعات فقيرة وأمية وتولي كل منهم مناصب عليا وصاروا محط اعجاب العالم،، لأن تلك البرامج من شانها تقليل احباط الشباب، مساعدتهم لتقبل واقعهم، محاولة تغييره، كما يجب على الاعلام أيضا تغيير النظرة السلبية للمرضى النفسيين الذين يعانون من الاكتئاب أو التفكك، لأنهم أشخاص أسوياء لم يستطيعوا التكيف مع حياتهم ولابد من دعمهم ومد يد العون لهم.

تحدي القدر
يقول الدكتور رجب الفيومي، أستاذ الشريعة، جامعة الأزهر: السخط على القدر وعلى أحوالنا الاجتماعية التي نمر بها اثم عظيم، يحاسبنا الله عليه، لأنه قد يصل بالانسان أحيانا إلى الكفر، ففي حديث للرسول الكريم قال، «ان استطعت أن تعمل الرضا مع اليقين فافعل، فان لم تستطع فان في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا»، أي أن الرسول أوصانا بالصبر على البلاء والرضا بالقدر في حالة فقدان شخص عزيز، ما يقي الانسان من الأمراض النفسية التي قد تصيبه جراء تلك الصدمة. أما فيما يتعلق بالظروف الاجتماعية الصعبة وفيما يتعلق بالبطالة وعدم تكافؤ الفرص، فلكل مجتهد نصيب، فالله تعالي يعطي كل انسان حسب جهده ولا يساوي النشيط بالكسول، لكن لابد من التقرب إلى الله، بذل الصدقات، العطف على اليتامي والمساكين، فبقربهم تزول الهموم ويهون الانسان من مصاعبه، كما يجب التقرب للأهل والأصدقاء وصلة الرحم، التواصل معهم، فكل ذلك من شانه تقوية النفس وجعلها أكثر قدرة على التكيف مع الظروف القاسية.