التضييق على البهائيين…لماذا ؟

0

حسن علي كرم

يقول الحق: ” و إذ قال ربك للملائكةإني جاعل في الارض خليفة ” الى آخر الآية، و لم يقل جل شأنه أني جاعل في الارض مسلماً أو مؤمناً، و لم يحدد صفة أو لون الخليفة هل هو طويل أم قصيرأم مربوع، أبيض أم أسود أم أصفر، فالله سبحانه و تعالى الذي خلق الانسان من صلصال كالفخار، هو اعلم بخلقه وهو اعلم بمكنونات هذا الكائن الانساني، الذي صنعه بيده الكريمة. لماذا لم يحدد منذ اليوم الاول على خلق الانسان اتجاهه الديني او العبادي، و لماذا بعد ذلك ارسل الأنبياء و الرسل الى بني البشر، هل لأنهم قد انحرفوا عن عبادة الله الخالق العظيم الفرد الصمد و اتخذوا من الاصنام و التماثيل ارباباً ؟ لعلي عاجز ان أغوص في هذا البحر العظيم خشية من الغرق، الا انني على يقين ان الله تعالى لو أراد ان يجعل الناس جميعاً على شريعة واحدة لما عجز عن ذلك، “و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ”
لقد خاطب الله نبيه مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله و سلم بقوله ” لست عليهم بمسيطر ” و قال:”لا اكراه في الدين ” و قال: “فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر ” و قال: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها و توكل على الله انه هو السميع العليم ” و قال: ” فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ” هذه جملة من الآيات الكريمة، لعل بَعضُنَا يمر عليها مرور الكرام من دون ان يتبصر بما تحمل من معان و تعاليم و عبر و سلوك انساني، و ما احوجنا في هذا الزمن التعيس ان نتبصر و نتعمق بفهمها، توخياً للسلم و العيش المشترك، فالإنسان ليس مسؤولاً عن اعمال الاخرين، و انما مسؤول عن نفسه ” عليكم أنفسكم ” و التعبد ليس للبشر و انما لرب العباد الذي هو الأدرى بعباده و الاقدر على حسابهم يوم الحساب. و لعل مهمة العلماء و الفقهاء و غيرهم من رجال العقيدة و الصلاح ارشاد الناس و نصحهم الى ما ينفع دينهم و دنياهم، لذا ليست مهمتي ان اكره الناس الذين ليسوا على ديني او ان اناصبهم العداء اذا لم يبدأوا بالعداوة اولاً، فالمجتمع السلمي هو الذي يقوم على التآخي و التعاون و المحبة و التواصل.
و الكويت شأنها شأن كل المجتمعات الحديثة و المنفتحة، و رغم ضآلة السكان بالمقارنة مع المجتمعات السكانية الكبيرة، فإنها تضم بين ملل و أديان و عقائد و مذاهب شتى. و من فضل الله على هذا البلد الكريم المعطاء و الانساني ان حُمل بدستور ينظم العلاقة بين السلطة و الناس و علاقة الناس ببعضهم بعضا، و يتيح حرية العقيدة و الاعتقاد. و من الامور الملفتة و الجليلة و الدالة على التسامح،لا تكتب الديانة او المذهب في الهويات الشخصية مثل البطاقة المدنية و الجنسية و جواز السفر، و هذا غاية الرقي و الوعي، فهناك الكثير من المجتمعات المتخلفة التي تعاني من مسألة الديانة او المذاهب المذكورة في هوياتهم الشخصية، ما يتسبب في الكثير من المشكلات و الحرج للناس. في الهند مثلاً هناك اكثر من 400 ديانة معترف بها، و لها معابدها و مساجدها و كنائسها، و في الهند ايضاً انت تمشي في السوق او الشارع تجد البقرة المعبودة تتبختر الى جانبك. في سريلانكا مررنا بمكان فرأينا مسجداً و كنيسة و معبداً بوذياً متجاورة، هكذا كل يعبد الله على طريقته الخاصة. يُروى ان موسى عليه السلام مر على راعي غنم جالس على الارض، يرفع كفيه الى السماء و يدعو قائلاً: اذا زرتني سوف اغسل قدميك و أمشط لحيتك و شعر رأسك. فنهره موسى،، ثم علمه بضع أدعية و قال له: ادع بها. فنزل الوحي على موسى،. و قال:يا موسى ماذا فعلت ؟انا اسمعه، و انا اقبل دعاءه. فسارع موسى الى الرجل فوجده يتلعثم، فطلب منه ان يعود الى أدعيته التي كان يقولها. اذن فالناس ليس بأعمالهم انما بنياتهم، انما الاعمال بالنيات.
لقد حبى الله الكويت بولاة دأبوا على الانفتاح و قبول الاخر، و جاء دستورها ليؤكد قبول الاخر و حرية العقيدة و الاعتقاد، لكن بعض القائمين على ادارتها للاسف يعانون من عقدة التخلف العقلي و الانغلاق و الوعي القانوني، فبعد اكثر من نصف قرن على تطبيق الدستور يطلب نائبان في مجلس الأمة ( احمد الفضل و خالد الشطي ) من وزارة العدل التصديق على عقود الزواج للطائفة البهائية، فهذا يعني ان الدولة ممثلة بإحدى اهم دوائرها و هي المسؤولة عن تطبيق القوانين، تضرب بدستورها و بقوانينها عرض الحائط،فماذا نقول غير ان هناك فئة من المسؤولين يخالفون الدستور و يخالفون رغبة الولاة ؟ فمن خول موظفي وزارة العدل منع توثيق زواجات البهائيين ؟ هل هناك قانون او قرار صادر من مجلس الوزراء يخول المنع، ام هذا من اجتهاد الموظفين خريجي المدارس الظلامية و التعليم المتخلف ؟ و هل الحكومة “غاوية مشاكل ” ماذا سيكون رد الحكومة اذا رفع البهائيون شكوى الى المجالس الحقوقية الدولية عن ما يتكبدونه من المضايقات غير الانسانية و الجائرة من قبل السلطات الرسمية ؟ قبل ايام ناقش مجلس حقوق الانسان شكوى جمعية “الحرية ” الكويتية التي حل مجلس ادارتها بقرار غير قانوني، و قبلها شكاوى اخرى عرضت على المجالس الحقوقية من مواطنين كويتيين جراء المضايقات من السلطات الأمنية او الدينية او الإدارية. ومع اننا لا نقبل الهرطقات، الا اننا لم نر من البهائيين ما يعكر الامن،وهم لا يفرضون عقيدتهم على احد، فلماذا التعسف و الاضطهاد ؟
ان تحرير الادارة الحكومية يتطلب تحرير العقول أولاً، والغاء القوانين و القرارات المتخلفة و المعيبة و المعيقة للتقدم و التماسك الاجتماعي. فإلى متى يحكم متخلفون و ظلاميون قبضتهم على مفاصل الدولة ؟

صحافي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

4 × 4 =