حوارات

التطور الديمقراطي وفقاً للخصوصية الثقافية والسياسية حوارات

د. خالد عايد الجنفاوي

سيحدث مأزق فكري وثقافي حين يطالب البعض القليل بتطبيق الديمقراطية بشكلها الفلسفي المُطلق في بيئات اجتماعية أو سياسية تتصف بخصوصيتها الوطنية، فالآليات الديمقراطية بعامة من المفترض أن تتوافق مع مقوماتها ومتطلباتها وشروطها وسياقاتها الفعلية، فيتم تطبيق مبادئ ومنطلقات وآليات والفرضيات الفكرية والاجتماعية للديمقراطية وفق ما يتناسب مع خصوصية المجتمع الوطني. وسيتفاقم المأزق الفكري الديمقراطي لدى بعض من يطالبون بتحولات جذرية وغير منطقية في مجتمعاتهم التقليدية وقت ما يبدأ هؤلاء يتجاهلون ضرورة احترام الخصوصيات السياسية والثقافية في مجتمعاتهم الوطنية، فالديمقراطية تهدف نحو تكريس حرية الرأي والتعبير المسؤولة وقبول ثقافة الاختلاف والتعددية وترسيخ الحوار العاقل بين مكونات المجتمع وفقاً لمعطيات ومقومات وتطلعات والمنطلقات الأخلاقية والثقافية والسياسية الخاصة بهذا أو بذلك المجتمع، وستؤدي المطالبات المفتوحة بتحقيق تطورات ديمقراطية جذرية وسريعة إلى حدوث فوضى فكرية وبروز خطابات ومطالبات استفزازية وغير منطقية وذلك بسبب تعارضها مع الهوية الثقافية والسياسية للمجتمع الوطني. وبالطبع، لا يدل حدوث أي تناقض فكري في سياق التطور الديمقراطي على عدم قابلية المجتمع الوطني للتطور ولكنه سيشير غالب الوقت إلى قصر نظر من يقرأ عن الديمقراطية في الكتب الغربية وفقاً لسياقات ثقافية مختلفة تماماً ويحاول قسراً تطبيقها في بيئة ثقافية ومجتمعية ربما لا تحتاج لكل ذلك الكم الهائل من مطالبات تطوير ديمقراطي لا تلامس الواقع.
أعتقد أن المطالبة بتحقيق أهداف التطور الديمقراطي من المفترض أن تتم في سياق مناسب يتم فيه احترام خصوصية المجتمع وهويته وثوابته الوطنية، فالممارسة الديمقراطية في عالم اليوم تتطور وفق ظروف وأحوال والمعطيات الخاصة بالمجتمع الوطني وتتوافق آلياتها طبقاً لمشكلاته وقضاياه الخاصة، فالديمقراطية الفعالة في عالم اليوم من المفترض أن تساهم في تكريس الولاء والانتماء للوطن ولهويته الثقافية والسياسية الخاصة وفي نفس الوقت تدعو للتنمية والتطور الاقتصادي والحضاري وفقاً لتعددية وتكامل التجارب الإنسانية في المجتمع وترتكز على حرية رأي وتعبير مسؤولة وعلى النوايا الصادقة للمشاركين في الحفاظ على إرثهم الثقافي والوطني المشترك، والتوصل فيما بينهم إلى توافق بناء يعكس حرصهم على حماية خصوصياتهم الثقافية والسياسية في عالم متغير. التطور الديمقراطي وفقاً للخصوصية الثقافية والسياسية للمجتمع يمثل استثمارا ناجحاً على المدى الطويل وذلك لأنه يرسخ الحوار الديمقراطي العاقل ويُفسح المجال أمام التطورات الإيجابية ويركز الجهود لتفعيل التطور الحقيقي والافتخار بإنجازات الماضي والارتكاز عليها في السير نحو مستقبل واعد.

كاتب كويتي
@aljenfawi1969