التعبير بالمقالة شفافية شفافيات

0

كيف يمكن أن نقول عن البردعة أنها سرج؟ ولكنها القوانين. هذه العبارة قالها “دون كيخوتة” عبارة عميقة رشيقة جدا تكشف مجتمعا بأكمله يعيش في قلق الخوف من بطش القوانين التي صنع بعضها الطغاة ليستعبدوا الشعوب، ومن هنا تتحول البردعة التي يمكن أن توضع على ظهر أَتانٍ أو على ظهر زوجها الحمار الى سرج يوضع على فرس أو حصان عربي أصيل. وهكذا يجيب التلميذ في المرحلة الابتدائية اذا سأله المدرس: هل يطير الفيل؟ فيقول: نعم يا أستاذ إن الفيل يطير! فيأتي الاستاذ ليضربه فيرد التلميذ: ابي هو رئيس الجمهورية وهو يقول للشعب إن الفيل يطير! فيهدأ المدرس ويرقع في الرد قائلا: نعم ابني: إنه يطير، ولكنه لا يرتفع كثيرا. وهكذا تستطيع كلمات رشيقة لا تكلف مفكرا سوى ثوان ليكتبها وقد تكلفه روحه وحريته. ولا تستطيع لوحات الدنيا البيكاسوية ولا الدفنشاوية أن تعبر عن أن البردعة إنما هي سرج حصان عربي أصيل، ولا تستطيع صورة او رسمة او لوحة أن تعبر عن أن طاسة الحلاقة التي كان يستخدمها الحلاقون في إسبانيا أو في أي مكان أن تكون خوذة مقاتل عسكري، كما في تصور دون كيخوته. إن التحول من التعبير بالمقالة الى التعبير بالصورة المرسومة تحول الى البدائية،فالتعبير أيام الفراعنة قبل سبعة آلاف عام كان صورا ورسوما تعب التاريخيون الأثريون في تفسير الكثير من معانيها، ولكنها كانت لغة ذلك العصر، فهي بالعموم في حدود وصفي أنا كإشارات الخرس تعطي معاني إجمالية لايمكن أن تكون كاللغة كتابة ونطقا. وقد علم الله الإنسان بالقلم، وعلمه مالم يكن يعلم، وهو الرحمن سبحانه الذي علم الإنسان البيان. “الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان.” وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “إن من البيان لسحرا” رواه البخاري. فكيف يعدل عن الذهب بالحصى أم كيف يعدل عن الجوهر بالرمل؟
وقد جعل التصوير لدي موهبة وولعا عملا للضرورة،وليس هو أساس التعبير الإنساني، وقد قال ابن عباس للذي سأله عن التصوير والرسم: إن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لانفس له. فانتبهوا لقوله “إن كنت لابد فاعلا” فهي ليست الأصل في كمال الانسان وعقله حيث مُيز بالبيان، ولست ضد الفن أبداً أبداً، فافهموني أرجوكم، ولا أنا ضد رسم اللوحات الطبيعية الجميلة، بل إن نفسي لتتوق لأخذ دورات تدريبية في الكويت وخارجها لأكسب المزيد من القدرات في تصوير اللوحات الطبيعية الجميلة،ولكني يا سادة، استحيل على نفسي وإلى يوم القيامة، قيامتي أنا، ترك التعبير بالكتابة الى التعبير بالتصوير الذي يعد مساندا مهما وأساسا في التفهيم للضرورات التعليمية والتعبيرات الصامتة، وليس بديلا،وهو موهبة جميلة وجمال ورقي لا ينكرها صاحب ذوق وحس جميل.وأكرر أنني ومنذ صغري كنت اذا دخلت السوق ووجدت لوحات فنية فيها غابات وكوخ ونهر فإني اشتريها وازين بها غرفتي الصغيرة في بيتنا الكبير، وكانت الصور تلك بأثمان بخسة جدا لكنها كانت جميلة، وبيتنا الحالي فيه المزيد من اللوحات الفنية الجميلة والمكلفة نسبيا والتي صورها لنا رسامون وبشكل مخصوص، وجعلوا ألوانها كما نريد ليتناسب والمكان الذي توضع فيه. وقد قلت هذا لدفع التصورات السطحية والفهم السطحي لما أجريته من المقارنة بين كتابة السطر المقالي الحر وبين تصوير ورسم اللوحات، وليس للفخر قد ذكرت هذا. وليس هذا ما افتخر به. فافهم ياحفظك الله إذا أُدْلِيَ إليك بالقول فإنه لا ينفع تكلمٌ بما لاأساس له.
أعزائي: إن بردعة الحمار ستكون سرجا لحصان عربي أصيل، والفيل يطير في مناهج التعليم. وهذا ماتريده القوانين في الأنظمة الديكتاتورية.
ملاحظة: إنَّ سَطْراً شَفَّافاً في مَقَالَةٍ قَدْ يَقْلُبُ الدُّنيا قَلْبَا عَلَى كِيانِ العُبُودِيَّةِ.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

12 + اثنا عشر =