من وحي الناس

التعليم ونسخ القوالب من وحي الناس

خالد عبدالعزيز السعد

من خلال إعمال الفكر, والبحث والنظر في بيئتنا الاجتماعية والسياسية والتعليمية والتربوية نرى ما تفعله هذه البيئات من جمود وتحجر وتخلف وتعصب وجهل وقفل لبوابات العقل, والابتكار والابداع والانتاج وسط سيطرة تامة لمناهج العقم والاجترار, والتلقين والاستظهار والتي لا تدع مجالا لابنائنا وبناتنا للاعتماد على النفس, والاتكال على الذات, والتدرب على التحليل, والخيال, والحوار والاختلاف والتسامح والمحبة والوعي والفطنة والانتماء للوطن, وخدمة دورة الحياة فيه والأنشطة التي تكون الشخصية, وملكات العقل, وقدراته اللامحدودة.
مر على التعليم والتربية نحو خمسة عقود تخللتها بعض المراحل التي كان يمكن ان نؤسس فيها تعليما حقيقيا, ومتطورا ولكن للأسف مر القطار, وتركنا في المحطة الخربة البائسة ذاتها والعلة في ذلك باعتقادي ان الحكومات المتعاقبة لم تكن جادة في انتشال هذا المرفق مما غرق فيه من فردية, وانانية وتعصب ومعلومات بنكية فيها رماد العلم وليس فيها انواره وثورة المعرفة, والتكنولوجيا ورصد الظواهر السلبية.
ونحن في بداية القرن الواحد والعشرين قرن الالكترونيات الدقيقة, وتدفق المعلومات والاقلاع الذري, والانترنت والذي سيكون فيه الانسان متعدد المهارات والقادر على التعلم الدائم, والثقافة المستمرة والابداع العلمي, والانجاز الحضاري, لهذا نرى ان اي مجتمع مهما بلغ تخلفه يستطيع اذا توافرت له الثروة المادية ان يشتري اثار العلم مثل السيارات والطائرات والتلفزيونات والتلفونات الذكية ولكن ذلك لا يعني ان هذا المجتمع تقدم علميا.
ان يتقدم علميا معناه ان يتغير اسلوب الحياة فيه الى طريقة علمية بالنظر الى مسائل الحياة, ومشكلاتها وقضاياها المختلفة, فالحياة في بلادنا لا تسير بمنطق العقل بقدر ما هي استنساخ قوالب من بعضها البعض, وهي موجود في المدرسة في جرس بداية الدرس وانتهاء الدرس, وهي موجودة في المدرس الضحل الذي لا يطور نفسه ولا يتدرب على الجديد في التعليم وطرقه, ولا يطور ثقافته وحديثه لتلاميذه في كراسة الواجب, وفي امتحان الفترة وتمتد القوالب الى وسائل الايضاح, وذلك من خلال استنساخ الطالب والمدرس خريطة من كتاب او حفظ كم من المعلومات البنكية, والقشرية لاستظهارها في اليوم التالي وهذه الطريقة تبدأ من المرحلة الابتدائية الى المرحلة الجامعية, بل حتى الدراسات العليا حيث طرق التدريس, بلا بحث ومحلك سر وحيث الامتحان هو السلطان والتكرار هو الاسلوب.
ذلك كله يجري في غيبة المنهج المتجدد, والمدرس الواعي المقتدر وفي غيبة التحليل العلمي, والتساؤل والنقد, وهكذا دواليك تسير الامور حتى في الجامعة تستنسخ عددا من اساتذتها من حملة الدكتوراه ومن هم بعيدون عن الاسلوب العلمي في التفكير والالتزام بالمنطق, ويتبنون قضايا المجتمع التخطيطية والاقتصادية والتنموية والصحية والسياسية وحقوق الانسان والامن الى اخر هذه القضايا التي تنفجر في المجتمع, وتربك تطوره وتحديثه لان التعليم الذي نمارسه منذ الطفولة يبدأ بالتحريمات والممنوعات, لا صراخ.. لا لعب لا صخب بينما هذه الامور تشكل البداية للتعرف الحقيقي على العالم الخارجي وهو في السادسة من العمر وهو يشتاق لعالم جديد ومعارف ينهل منها عقله الواعد, يدرك ان الامور لم تبتعد عن مجتمع البيت وتكون الصدمة اكبر وعناصرها كثيرة, فهذه بوابة المدرسة تفتح, وتغلق في مواعيد محددة غريبة عن فهمه ويملك زمام امرها في العامة انسان يتسم بالشراسة, فتبدأ اولى نبضات الغربة بعد البوابة, حيث يدق هذا الناقوس باسراره فتغلق الابواب, ويدق فتفتح الابواب ثم يدخل اشخاص كبار منهم معلمون ومنهم مفتشون ومنهم مديرون لا يشغل بالهم الا سكب العلقم في عقول اطفالنا في فترات منتظمة يحثونه على الحضور مبكرا والوقوف في الصف معتدلا وسماع الأوامر بتحفز ويعلمونه ان لا اعتراض على اي شيء يلقى اليه فيأخذه ويسأل فيجيب, والويل كل الويل اذا لم يحفظ. وتبدأ رحلة الغربة والغياب والقوالب هي موضوع العملية التربوية والتعليميةوليس العقل, فجدول للجمع والطرح والضرب ولا يسأل لماذا? وهكذا فالبطة لها رجلان وجناحان ترسم وتحفظ كالقصائد المملة, والحفظ يشذب القالب ويصبح القالب نسخة منسوخة من القوالب الاخرى التي سبقته والتي تأتي بعده والقوالب لا تنتج الا قوالب مثلها, المدرس -الناظر – الموجه في المدرسة والاب والأم والأخوة في البيت, والزملاء والناس فيما حول ذلك قوالب مرصوصة, فقمة المعاناة في التعليم لا التعلم, ويحاول الطفل الصغير الواعي بالحياة حوله ان يتخلص من صيغة القوالب فتنهال المطارق عليه من كل اتجاه في البيت والشارع والمدرسة ويبدأ الطرق على الحديد الساخن.
ويبدأ الطرق يخنق الاحلام ثم تأتي قوالب الحرام واحلام الثراء والجاه وكيف يتاجر لا كيف يكتشف, كيف يقتل لا كيف ينقذ الارواح او كيف يداوي المرضى, كيف استطاع الشاطر حسن ان يتزوج ابنه السلطان وصار سلطانا مثله حتى يستوي القالب بلا عمق ولا اي معنى من هذا التعليم الجامد رغم دورات الفصول, ورغم مبدأ التغييرات في كل العالم.
كاتب كويتي