التفاؤل والتشاؤم عقيدتان تربطان الإنسان بإيجابيات الحياة وسلبياتها وتتحكمان بتصرفاته

في التفاؤل وحسن الظن بالله... حياة سعيدة ونجاح وتوفيق

في ظل هذه النتائج التي جاءت في تقارير منظمة الصحة العالمية وغيرها من دراسات، ندرك ما جاء في القرآن والسنة بضرورة الاعتقاد في الفأل والمبشرات والتعوذ من الشؤم والتشاؤم والمنغصات.

من اهم الموضوعات التي شغلت ومازالت تشغل بال الكثيرين قديماً وحديثاً مسألة التفاؤل والتشاؤم وذلك لما لهما من اثار عميقة في مجالات الحياة المختلفة من تجارية وسياسية وحربية وما تشكله في سلوك الافراد وعلاقاتهم الاجتماعية الناجحة او خيبة الآمال والفشل… الخ.
والاسلام دين الحياة الآمنة السعيدة في كل زمان ومكان، اهتم بمسألتي التفاؤل والتشاؤم وجعلهما من صميم العقيدة والايمان لانهما يرفعان الانسان الى درجات النجاح والفوز والسعادة والهناء، او يهبطان به في دوامة الفشل والوساوس والقنوط.
يا ترى ما مفهوم التفاؤل والتشاؤم؟ وماذا قالت عنهما منظمة الصحة العالمية والتقارير العلمية والطبية؟ وماذا عن التفاؤل والتشاؤم في ضوء القرآن والسنة؟ وما واجبنا نحن كمسلمين اتباعهما والعمل بهما عقيدة ومنهجاً لنحيا في ظلها حياة طيبة سعيدة مكللاً بالنجاح والتوفيق والفوز بايجابياتها، بعيدة عن سلبياتها وما فيها من فشل ويأس وشقاء.. فيما يلي لقطات حول الموضوع:

مفاهيم عن التفاؤل والتشاؤم
اختلفت الآراء وتعددت المفاهيم حول التفاؤل والتشاؤم.. قالوا عن التفاؤل إنه استعداد كامن داخل الفرد يحدد توقعاته الايجابية العامة ازاء المستقبل ويرتبط ايجابياً بالصحة النفسية والجسمية وحسن التكيف والشعور بالسعادة.
وقالوا: التفاؤل صفة تجعل توقعات الفرد وتوجهاته ايجابية نحو الحياة بصفة عامة يستبشر بالخير فيها، ويستمتع بالحاضر ويحدوه الامل في مستقبل اكثر اشراقاً واحسن حالاً.
وقالوا: انه الايمان بأن هذا العالم خير العوالم الممكنة وان الخير سوف ينتصر في آخر الامر على الشر فلا يرى سوى الجانب المشرق من الاشياء، وعند ما يتفاءل الشخص يصبح قريباً من الكمال في الدين والعقيدة.
وقالوا عن التشاؤم: إنه استعداد شخصي أو سمة كامنة داخل الفرد تؤدي الى التوقع السلبي للاحداث المستقبلية.
وقالوا: التشاؤم استعداد نفسي لرؤية الجانب السيئ من الاشياء وان الشر في العالم اكثر من الخير.
وقالوا ان التشاؤم هو الاعتقاد بان عالمنا هذا هو اسوأ العوالم الممكنة وان كفة الشر والشقاء أرجح من كفة الخير، والسعادة فيه فجميع الاشياء تنزع بطبيعتها الى الشر.
وقالوا التشاؤم الذي يعني توقعاً سلبياً للاحداث يجعل الفرد ينتظر حدوث الاسوأ ويتوقع الشر والفشل وخيبة الامل ويرتبط هذا بالمتغيرات المرضية غير السوية وغير المرغوب فيها.
هذا وتستحوذ دراسة التفاؤل والتشاؤم على اهتمام بالغ من قبل الباحثين حيث برز هذان المفهومان في العديد من دراسات علم النفس الاكلينيكي، والصحة النفسية وعلم نفس الشخصي وعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس الايجابي وحديثاً في علم النفس الحضاري المقارن.
وفي هذا السياق تشير منظمة الصحة النفسية 2004 الى ان التفاؤل عملية نفسية ارادية تولد افكاراً ومشاعر الرضا والتحمل والامل والثقة، وتبعد افكار ومشاعر اليأس والانهزامية والعجز فالمتفائل يفسر الازمات تفسيراً حسناً ويبعث في النفس الامن والطمأنينة كما ان التفاؤل ينشط اجهزة المناعة النفسية والجسدية و هذا يجعل التفاؤل طريق الصحة والسعادة والسلامة والوقاية، في حين يعتبر التشاؤم مظهراً من مظاهر انخفاض الصحة النفسية لدى الفرد لأن التشاؤم يستنزل طاقة الفرد ويقلل من نشاطه ويضعف من دوافعه، كما ان اسلوب التفسير التشاؤمي هو أحد الاسباب المؤدية للاصابة بالامراض الجسيمة المختلفة وانخفاض مستوى الاداء الاكاديمي والمهني.
وتشير الدراسات الطبية الى ارتفاع مخاطر الوفاة عند المرضى الذين أظهروا تشاؤماُ تجاه وضعهم الصحي، مقارنة مع المرضى الآخرين.
ومن وجهة نظر الباحثين، فقد بات من المعلوم وجود علاقة بين الاكتئاب وزيادة معدلات الوفيات عند الأشخاص، غير أن النتائج الحالية تظهر حجم تأثير توقعات المريض، على تعافيه من المرض، بغض النظر عن أية عوامل نفسية أو اجتماعية أخرى.
ويؤكد الدكتور «بيرفوت» على أن الدراسة تقدم نصيحة للطبيب حول أهمية التنبه إلى ما يعتقده المريض حيال مرضه، لما لذلك من تأثير على تعافيه. كما تبين للمرضى بأن توقعاتهم الإيجابية تجاه هذا الأمر، لن تحسن من شعورهم فحسب، وإنما قد تمكنهم من العيش فترة أطول.
وفي ظل هذه النتائج العلمية ندرك أهمية أن يستبشر المؤمن برحمة من الله، فهو القائل: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) سورة «آل عمران: 171». وقد عجب النبي صلى الله عليه وسلم من حال المؤمن فكان كل حاله خير: إذا أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإذا أصابته سراء شكر فكان خيراً له!!
من هنا نتعلم درسين من دروس التقوى: الصبر والشكر. فالمؤمن يتميز على غير المؤمن بهاتين الصفتين أثناء تعامله مع ظروف الحياة وصعوباتها، فتجد أن الصبر والشكر يجعلان المؤمن أكثر تفاؤلاً وأبعد ما يكون عن التشاؤم، لأنه يدرك أن الله معه، وأن المستقبل له، وأن الجنة بانتظاره، فلا يحزن على شيء فاته، ولا يخاف من شيء سيأتيه، ولذلك قال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) «يونس: 64».
والقرآن الكريم يهدي الانسان الى التوافق وينعم عليه بالامن الداخلي ويصلح قلبه فيمسح عنه القلق والتشاؤم لانه يحدد له الهدف من الحياة فلا يشعر بالفراغ النفسي الناتج من انقطاع الطموحات وعدم وجود هدف معين يصبوا اليه ويحرك سلوكه ليحققه بعمل متجدد ومستمر نشط يجعله في اعتدال عند التعامل مع كل الامور «لا افراط ولا تفريط» في العمل والعلاقات فيحصل على التوافق النفسي.
وقد اكد القرآن الكريم على التفاؤل وتيسير الامور فمن الآيات قوله تعالى: «فان مع العسر يسرا، ان مع العسر يسرا» سورة الانشراح 5، أي ان كل شدة او عسر معها يسر وفرج يهيؤه الله تبارك وتعالى للانسان العاقل الامل العامل وللعلماء قاعدة في هذا هي «ان المشقة تجلب التيسير» وفي القرآن الكريم عدد من الآيات التي تحث على فضل الرجاء في الحياة كقوله تعالى: «واما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً» سورة الاسراء 28، لانه يبعث على القوة ويضاعف العزيمة اما اليأس فيميت العزيمة ويضعف الهمة فتؤكده ايات منها «وقل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقطنوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفور الرحيم» سورة الزمر 53 ولابد من لزوم الصبر لتحمل مشاق الحياة عند الشدائد بنفس راضية تقلل من احتمالات التوتر والشعور بالأس والشؤوم والقنوط.
وهناك العديد من الاحاديث النبوية التي تناولت موضوع التفاؤل او التشاؤم ففي الفأل تقوية العزم وباعث على الجد ومعونة على الظفر فقد تفاءل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته وحروبه، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع كلمة فاعجبته فقال ما هي قال «اخذنا فألك من فيك» فينبغي لمن تفاءل ان يتأول بأحسن تأويلاته ولا يجعل لسوء الظن على نفسه سبيلاً جاء في الاثر «ان البلاء موكل بالمنطق».
وعن انس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح، والكلمة الحسنة» وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طيرة وخيرها الفأل، قال: وما الفأل يا رسول الله، قال: الكلمة الصالحة يسمعها احدكم».
ما اعظم التعاليم التي جاء بها الاسلام، وما اروع آيات هذا القرآن وما اجمل احاديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان دائم التفاؤل ويستبشر برحمة الله ولم يكن يحزن على امر من امور الدنيا ابدا، بل كان في كل لحظة يمتثل قول الله تعالى «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون» يونس 58، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، وكان ابعد الناس عن التشاؤم بل كان ينهي عن التطير والنظرة السوداء للمستقبل وبما ان الله تعالى قال: «لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا» الاحزاب 21، فانه من الواجب ان نقتدي بسنته ونهتدي بهديه فلا نتشاءم ونتفاءل بالخير دوماً، وهذا خلق من اخلاق النبي الاعظم صلى الله عليه وسلم.