التفاعل والإحساس بالقرآن من معالم منهج النبي في التدبر مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن 15

0

القاهرة: محمد إسماعيل
يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبراً وحفظاً وفهماً وعملاً، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.
يذكر الدكتور صالح يحيى صواب في دراسة له بعنوان “المنهج النبوي في تدبر القرآن الكريم”، أن التفاعل العملي والإحساس بخطاب القرآن، والتأثر به من عوامل التدبر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يمارسها في تلاوته للقرآن، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاعل مع تلاوة القرآن، فيطبق ما يمكن تطبيقه، ومن التفاعل مع القرآن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول (آمين) بعد قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، (الفاتحة: 6-7)، فهو نوع من التفاعل مع القرآن بمعنى: استجب يا رب.
ومن ذلك أيضا: مشروعية سجود التلاوة، عند تلاوة الآيات التي يذكر فيها حال المؤمنين الساجدين الراكعين؛ فإن ذلك نوع من التفاعل مع القرآن والاستجابة المباشرة لتوجيهاته، مع مراعاة المواضع التي يكون فيها سجود التلاوة. ولا شك أن لهذه الأفعال أثرا في تدبر القرآن وتعلق القلب به.
وقد بكى النبي صـلى الله عليه وسلم وهو يستمع إلى ابن مسعود عندما قرأ عليه سورة النساء، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: “قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ عليّ)، قلت: يا رسول الله، اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً، (سورة النساء الآية: 41)، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)، أخرجه البخاري في صحيحه.
وفي رواية مسلم: “حتى إذا بلغت: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، (سورة النساء الآية: 41)، رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي، فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل”. وفي رواية أخرى لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شهيدا عليهم ما دمت فيهم، أو ما كنت فيهم)، وقد تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بسماع هذه الآية التي تذكر ذلك الموقف العظيم عند مجيء الأنبياء للشهادة على أممهم، ومجيئه صلى الله عليه وسلم ليشهد على أمته.
وقد بوّب البخاري لهذه الأحاديث بقوله: “باب البكاء عند قراءة القرآن”، وبوّب له الإمام مسلم لهذه الأحاديث بقوله: “باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظه، والبكاء عند القراءة والتدبر”.

البكاء عند سماعه
ويذهب الدكتور عبدالقادر سليماني في كتاب “تدبر القرآن الكريم حقيقته وأهميته في إصلاح الفرد والمجتمع”، إلى أنه من الأسباب التي تعين على تدبر القرآن وفهمه البكاء عند سماعه، وذلك بأن يتدبر المرء ما اشتملت عليه آيات القرآن الكريم من المعاني ويستحضرها، ويعيش معها بقلبه وكأنه يشاهد حقيقة ما يتحدث عنه القرآن، فيبكي متأثرا، موقنا بحقيقة ما جاء في كتاب الله، طامعا في وعد الله، حذرا من وعيده، و جلاً من خشية الله، كما قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، (سورة الأنفال الآية: 2)، والبكاء عند سماع القرآن علامة على إيمان العبد وتصديقه بما يسمع، وهو شأن أولي العلم العارفين بالله.
قال الإمام الغزالي في كتاب “إحياء علوم الدين”: “ووجه إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره فيحزن لا محالة ويبكي، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب السافية فليبك على فقد الحزن والبكاء فإن ذلك أعظم المصائب”.
ويقول الإمام البخاري في كتاب “فضائل القرآن”: أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يحب استماع القراءة من الآخرين، وقد استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءة بعض أصحابه، بل وطلب من ابن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه القرآن، وتأثر بالقراءة، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ عليّ القرآن) قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (إني أحب أن أسمعه من غيري).
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى قراءة أبي موسى، فقال له: “لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود”، فلا مانع أن يستمع المفضول من الفاضل، والعالم ممن هو أقل منه علما، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في استماعه لابن مسعود. وعلى المسلم أن يختار في استماعه من يجوّد القرآن ويترسّل في تلاوته، ويحسن الوقف والابتداء، ويقيم القرآن كما نقل لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن المعروف أن للصوت الحسن طريقه إلى القلوب، والتأثير على السامعين، خاصة إذا كان القارئ من أهل القرآن العارفين المجودين فإنه يسلب القلوب، ويجذبها لسماع القرآن والتأثر بها.
قال النووي: “اعلم أن جماعات من السلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرؤوا وهم يستمعون، وهذا متفق على استحبابه، وهو عادة الأخيار والمتعبدين، وعباد الله الصالحين، وهو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يردد بعض الآيات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من صلاة الليل وتلاوته، ويخلو بربه، فيتدبر القرآن ويخشع لله تعالى.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة عشر + واحد =