بعض الشعوب تعتبرها ثمرة غضب الطبيعة وآخرون ينسبونها إلى الجن

التوائم الملتصقة تتحدى العلم وتفتح الأبواب للأساطير بعض الشعوب تعتبرها ثمرة غضب الطبيعة وآخرون ينسبونها إلى الجن

ابتسامة للحياة
ابتسامة للحياة

القاهرة – محسن حسن:
« التوائم الملتصقة « قدر لها في أغلب حالاتها أن تعيش أسيرة نفسها عقلاً وجسداً وروحاً، أن تتعرض منذ اللحظات الأولى من حياتها لأخطر المواقف الطبية، لأعقد الأوضاع النفسية والعصبية والاجتماعية التي يعجز الطب في كثير من الأحيان، عن ايجاد حلول جذرية وخالصة لأغلبها ؛ فقد يترتب على حياة احدها موت الآخر، وقد يؤدي تحريك عضو من أعضاء احدها إلى حدوث عجز في أعضاء الآخر وهكذا تكون الأخطار مماثلة لدى أغلب التوائم الملتصقة.
لكن لكل قاعدة شواذ ؛ اذ من العجيب أن نجد من التوائم الملتصقة ما يمكن اعتباره نموذجاً فريداً في مواجهة التحديات والأخطار، منها ما يمكن وضعه في عداد الغرائب المعجزة التي تبهر من يتعرف عليها، تضرب أروع الأمثال في كفاح الحياة والتمتع بها،.
كيف تعيش هذه التوائم، كيف التصقت بداية، ماذا عن أشهر التوائم التي تغلبت على مأساتها، أغرب الحالات، ما الأساطير التي ارتبطت بولادتها، هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها تحقيق «السياسة» التالي.
يقول الدكتور أحمد الشامي ، أستاذ علم الأجنة والتلقيح الصناعي : ولادة التوائم تحدث اذا أفرز المبيض أكثر من بويضة، يتم تلقيحها بأكثر من حيوان منوي، في حين أن التصاق التوائم كظاهرة طبية تبقي ذات أسباب غير معلومة حتى الآن في كثير من تفاصيلها، غير أن الراجح أن الالتصاق يحدث نتيجة انقسام البويضة الواحدة بعد التلقيح إلى جنينين تتزايد فرص التصاقهما بفعل استمرار اتصالهما من جهة واحدة بسبب صعوبات النمو ونقصان اكتمال بعض الأعضاء، وهو ما يترتب عليه الالتصاق والاشتراك في عضو أو أكثر.
ومن أسباب ذلك، الاصابة ببعض الفيروسات، التعرض لأشعة مؤثرة على وضع الحامل أثناء الحمل، كثرة استخدام المنشطات لعلاج العقم، انتشار وسائل الاخصاب المساعدة، أو ما يعرف بـ « أدوية الخصوبة «، تلوث الهواء والماء والغذاء، زواج الأقارب، بعض العوامل الوراثية التي قد تكون سبباً في انتقال جين التوأمة بين الأجيال.
وان وولادة توأم ملتصق تتم مرة من بين أكثر من 150 ألف حالة ولادة، الا أن أكثر من 50 في المئة من التوائم الملتصقة تولد ميتة، وأكثرها الاناث، رغم قدرة الأطباء على تشخيص الالتصاق وتحديد وضعياته خلال النصف الأول من الشهر الثالث للحمل، اذ تتنوع وضعيات الالتصاق وصورها بحسب درجات التشوه والضرر الواقع أثناء الحمل ؛ فهناك الالتصاق الرأسي وأصعبه الالتصاق الدماغي من ناحية الجبهة في الرأس والصدر وغالباً ما تنتهي هذه الحالة بالوفاة.
والالتصاق الجانبي يكون التوأم بطرفين أو ثلاثة أو أربعة، والالتصاق الفقارى وهو نادر فيكون في الظهر والعمود الفقاري، أما الحوضي فيتشارك فيه التوأم في الأمعاء، المثانة، الكليتين، الأعضاء التناسلية، والالتصاق البطني وغالباً ما يشترك فيه التوأم في الكبد، أما التوأم الطفيلي فيكون نتيجة وفاة أحدهما داخل الرحم غالباً، ومن ثم يولد الآخر وبه رأس أو جذع أو أطراف اضافية، كما توجد صور وأوضاع أخرى لا حصر لها. ولأن حالات التوائم الملتصقة، أصبحت ظاهرة عالمية، فقد شهدت الفضاءات الطبية أنواعاً نادرة من التوائم، وحالات شاذة وغريبة تدعو للتأمل والاعتبار، كلها حالات تواتر ذكرها في الكتب والمراجع الطبية ؛ منها حالة الطفلتين « لاله « و« لادن « الايرانيتين اللتين أجريت لهما عملية فصل في الرأس على غير رغبة منهما على يد ما يقرب من 130 طبيب متخصص بمستشفى « رافلس « السنغافورية، وانتهت العملية بموت التوأم نتيجة صعوبتها. أيضا حالة التوأمين الملتصقين في الدماغ « تاتيانا وكريستينا هوجان « اللتين تشتركان في عقل واحد، وهو ما جعل الأطباء يعلنون عن عجزهم عن تفسيرها، تتميزان على حد وصف الأطباء بقدرات عصبية خاصة تمكن كل واحدة منهما من استخدام عين الأخرى في رؤية الأشياء من حولهما في الأمام والخلف، تعيشان بصحة جيدة وممتازة وترفضان فكرة الفصل بينهما.
أما توأما الاسكندرية فقد ولدا ملتصقين بشكل كامل في الصدر والبطن والحوض، وبرأسين وعنقين منفصلىن، ولهما حبل سري واحد، أعضاء تناسلية ذكرية واحدة، ساقان طبيعيان وساق أخرى ضامرة، ذراعان طبيعيان وذراع أخرى ضامرة، فتحتا اخراج، موضحا أن التوائم الملتصقة لا تقتصر فقط على بني البشر ؛ فقد تناقلت وسائل الاعلام، أن قطة في السعودية أنجبت خمسة توائم سيامية ملتصقة في البطن والرأس، وتعيش بصحة جيدة غير انها تتحرك بصعوبة.

فوق المحنة
يؤكد « خالد الدرندلي «، الباحث في غرائب الطب والجراحة، أن أول توأمين سياميين ملتصقين في العالم هما « انج وتشانج « ولدا في مدينة « ميلانج « التايلندية في 11/5/ 1811، استطاعا أن يعيشا حياتهما طولاً وعرضاً، صعدا فوق محنة التوأمة والالتصاق الذي كان يشملهما من الصدر وحتى السرة، حتى أصبحا من رجال الأعمال المشهورين في العالم ؛ فقد بدأ مشوارهما التجارى بعد وفاة الأب ببيع بيض البط، بعد أن فرطت فيهما الأم لفقرها وباعتهما لتاجر بريطاني مقابل 500 دولار، رغم ذلك استطاعا أن يحصدا الكثير من المال من عروضهما البهلوانية بالمسارح والصالات الفنية بأوروبا وأميركا أمام محبي حركاتهما الطريفة من الملوك والرؤساء، ثم تزوجا العام 1843 من « آدي « و« سالي « الأميركيتين ؛ فكانا يستقران في بيت « آدي « ثلاثة أيام، ثم ينتقلان إلى بيت « سالي « ثلاثة أيام أخرى، حتى أنجبا واحداً وعشرين طفلاً ما بين ذكر وأنثى، كان نصيب «انج» أحد عشر طفلاً، و»تشانج « عشرة.
وبعد حياة حافلة بالكفاح الاجتماعي، الاقتصادي، الانساني، ثلاثاً وستين سنة، توفي العام 1874 ؛» تشانج» أولاً وبعده بثلاث ساعات توفي توأمه «انج «، ليضرب الاثنان مثالاً يحتذى في كسر محنة الأجساد الرهينة والأرواح المتسامحة الحزينة، رغم الفقر والاعاقة الدائمة. مشيرا إلى أن بعض الأوهام الأسطورية سيطرت على بعض ملوك المدن القديمة، فاعتقدوا أن ولادة توأم تعني حلول الأرواح الشريرة في المكان منذرة بوقوع الكوارث والمصائب على سكانه ما دفع الملك « راما الثاني « ملك سيام « تايلند « حالياً إلى اتخاذ قرار بقتل « انج وتشانج « السابق ذكرهما، الا أنه عدل عن قراره بعد اطمئنانه لهما.
ولا تزال مثل تلك الاعتقادات تحتل أهمية حتى الآن في الأزمنة المعاصرة ؛ ففي قرية « أبو عطوة « بالاسماعيلية بمصر، تنتشر ولادة التوائم بشكل مرعب ومخيف، دون سبب طبي أو وراثي أو دوائي معلوم بشهادة الأطباء، حتى أن زائر القرية يمكنه أن يقابل خمسين توأماً في محيط لا يتجاوز امتداده مئة متر، ما ولّد اعتقاداً أسطورياً بأن سكان هذه القرية من نسل « توائم الجن «، كما تنتشر اعتقادات مثيرة حول علاقة التوائم بقوي الطبيعة الغامضة والظاهرة ؛ في بعض المناطق الهندية، حيث يعتبرون التوائم مصدراً لغضب الطبيعة، يرددون عبارة « مهلاً أنفاس التوائم « خلال طقوسهم السحرية في مخاطبة العواصف والرياح والأعاصير المدمرة.

دعوة للتأمل
ويؤكد الدكتور طارق هندي ، أستاذ الطب النفسي، أن أياً من التوائم الملتصقة المتعايشة تضرب أروع الأمثلة في التوازن والانضباط النفسي ؛ اذ تتطلب المعايشة المستمرة المبنية على ثنائية دائمة في السلوك والتحركات، جهوداً نفسية مضنية حتى يتحقق التوافق والاندماج في الميول والتوجهات، خطط الحياة، وهي الهدف الصعب في حياة كل توأم ملتصق، ما يضعنا أمام معجزة اجتماعية ونفسية تستحق التأمل والاعتبار بكل المقاييس.

صورة عائلية

صورة عائلية

Print Friendly