التيقظ والتبصر في الأمور يحفظ الإنسان من الشرور حكايات عربية للعبرة والتسلية (23)

0 10

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلاً من بعد جيل، تشكل كيان الامة ووجدانها وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها… والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تزخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

يقول الحكماء: من أيقظ نفسه وألبسها لباس التحفظ أيس عدوه من كيده له وقطع عنه أطماع الماكرين به. وقالوا: اليقظة حارس لا ينام وحافظ لا ينسام، وحاكم لا يرتشي، فمن تدرع بها أمن من الاختلال والغدر والجور والكيد والمكر.
ويروى شهاب الدين الابشيهى فى كتابه ” المستطرف فى كل فن مستطرف” أنه قيل: إن كسرى أنو شروان كان أشد الناس تطلعا في خفايا الأمور، وأعظم خلق الله تعالى في زمانه تفحصا وبحثا عن أسرار الصدور، وكان يبث العيون على الرعايا والجواسيس في البلاد ليقف على حقائق الأحوال، ويطلع على غوامض القضايا، فيعلم المفسد فيقابله بالتأديب، والمصلح فيجازيه الإحسان، ويقول: متى غفل الملك عن تعرف ذلك، فليس له من الملك إلا اسمه، وسقطت من القلوب هيبته.
وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ليلة من الليالي يطوف يتفقد أحوال المسلمين، فرأى بيتا من الشعر مضروبا، لم يكن قد رآه بالأمس، فدنا منه، فسمع فيه أنين امرأة، ورأى رجلا قاعدا، فدنا منه وقال له: من الرجل؟
فقال له: رجل من البادية قدمت إلى أمير المؤمنين لأصيب من فضله، قال: فما هذا الأنين؟ قال: امرأة تتمخض قد أخذها الطلق قال: فهل عندها أحد؟ قال: لا، فانطلق عمر فجاء إلى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بنت فاطمة الزهراء رضي الله عنهما: هل لك في أجر قد ساقه الله تعالى لك؟ قالت: وما هو؟ قال: امرأة تتمخض ليس عندها أحد. قالت: إن شئت، قال:
فخذي معك ما يصلح للمرأة من الخرق والدهن، وائتني بقدر وشحم وحبوب. فجاءت به، فحمل القدر، ومشت خلفه حتى أتى البيت، فقال: ادخلي إلى المرأة، ثم قال للرجل: أوقد لي نارا، ففعل، فجعل عمر ينفخ النار ويضرمها والدخان يخرج من خلال لحيته حتى أنضجها وولدت المرأة، فقالت أم كلثوم رضي الله عنها: بشّر صاحبك يا أمير المؤمنين بغلام، فلما سمعها الرجل تقول يا أمير المؤمنين ارتاع وخجل، وقال: واخجلتاه منك يا أمير المؤمنين أهكذا تفعل بنفسك؟ قال: يا أخا العرب: من ولي شيئا من أمور المسلمين ينبغي له أن يتطلع على صغير أمورهم وكبيره، فإنه عنها مسئول، ومتى غفل عنها خسر الدنيا والآخرة. ثم قام عمر رضي الله عنه، وأخذ القدر من على النار وحملها إلى باب البيت، وأخذتها أم كلثوم، وأطعمت المرأة، فلما استقرت وسكنت طلعت أم كلثوم، فقال عمر رضي الله عنه للرجل: قم إلى بيتك وكل ما في البرمة، وفي غد ائت إلينا، فلما أصبح جاءه، فجهزه بما أغناه به وانصرف. وكان رضي الله عنه من شدة حرصه على تعرف الأحوال وإقامة قسطاس العدل وإزاحة أسباب الفساد وإصلاح الأمة يعس بنفسه، ويباشر أمور الرعية سرا في كثير من الليالي.
وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قد سلك طريق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك، وكان زياد بن أبيه يسلك مسلك معاوية في ذلك حتى نقل عنه أن رجلا كلمه في حاجة له وجعل يتعرف إليه ويظن أن زيادا لا يعرفه، فقال: أنا فلان ابن فلان فتبسم زياد وقال له: أتتعرف إليّ، وأنا أعرف بك منك بنفسك؟.
والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأعرف أمك، وأعرف جدك وجدتك، وأعرف هذه البردة التي عليك وهي لفلان، وقد أعارك إياها. فبهت الرجل وارتعد، حتى كاد يغشى عليه.
ثم جاء بعدهم من اقتدى بهم وهو: عبد الملك بن مروان، والحجاج، ولم يسلك بعدهما ذلك الطريق، واقتفى آثار ذلك الفريق المنصور ثاني خلفاء بني العباس ولي الخلافة بعد أخيه السفاح، وهي في غاية الاضطراب فنصب العيون، وأقام المتطلعين، وبث في البلاد والنواحي من يكشف له حقائق الأمور والرعايا، فاستقامت له الأمور.
طرائف عربية للتسلية
ومما يروى من طرائف عربية أن أحد الأمراء كان يصلي خلف إمام يطيل في القراءة, فنهره الأمير أمام
الناس, وقال له : لا تقرأ في الركعة الواحدة إلا بآية واحدة .
فصلى بهم المغرب, وبعد أن قرأ الفاتحة قرأ قوله تعالى ( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ), وبعد أن قرأ الفاتحة في الركعة الثانية قرأ قوله تعالى ( ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيرا ) , فقال له الأمير يا هذا : طول ما شئت واقرأ ما شئت, غير هاتين الآيتين .
جاء رجل إلى الشعبي – وكان ذو دعابة – وقال : إني تزوجت امرأة ووجدتها عرجاء, فهل لي أن أردها ؟ فقال إن كنت تريد أن تسابق بها فردها !
وسأله رجل: إذا أردت أن أستحمّ في نهر فهل أجعل وجهي تجاه القبلة أم عكسها؟ قال: بل باتجاه ثيابك حتى لا تسرق!
كان الحجاج بن يوسف الثقفي يستحم بالخليج العربي فأشرف على الغرق فأنقذه أحد المسلمين و عندما حمله إلى البر قال له الحجاج : أطلب ما تشاء فطلبك مجاب فقال الرجل : ومن أنت حتى تجيب لي أي طلب ؟ قال: أنا الحجاج الثقفى قال له : طلبي الوحيد أنني سألتك بالله أن لا تخبر أحداً أنني أنقذتك.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.