الثاني من أغسطس… حتى لا تنسى الأجيال وفاء الأوفياء

0 29

أحمد عبد العزيز الجارالله

كي لا ننسى، وحتى لا تتحول العبرة مجرد حكاية، ليس الثاني من أغسطس عام 1990 هو الغزو فقط، بل هناك نحو 210 أيام، وبحساب الأشهر، سبعة منها عجاف، ذاق الكويتيون فيها كل المرارات، لذا فالثالث من أغسطس هو أيضا يوم من تلك الأيام وليس يوماً آخر ننسى فيه الذكرى الموجعة الماثلة في الأذهان إلى أبد الآبدين.
في الثاني من أغسطس قبل 28 سنة كنت في مدينة جدة السعودية، على موعد أن أعود إلى الكويت ظهر ذاك اليوم، غير أن الأخبار المتواترة عبر وسائل الإعلام غيرت كل الوجهات والمصير، وأذكر يومها آخر من اتصلت به كان المغفور له حمد الرومي، الذي فور سماعه صوتي بادرني بالسؤال: “وينك”؟
قلت في جدة، كانت الغصة تحبس كلماته، وقال باكياً: ” الكويت راحت… راحت… راحت”، كان نحيبنا حينها يزيد من حلكة اللحظة، وأتاني صوته: ” كلم خادم الحرمين، كلم كل المعارف في السعودية خلهم يفزعون للكويت”.
اتصلت بخادم الحرمين الشريفين المغفور له الملك فهد، الذي حين سمع صوتي الباكي قال: “اهدأ يا أحمد… اهدأ”. قلت: يا طويل العمر الكويت تستنجد فيك”، فقال: ” اهدأ يا أحمد كل شيء بيرد مثل ما كان (…) الكويت بترجع… اهدأ”.
يومها أيضا اتصلت بالأمير سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع، آنذاك، وكان في أغادير للاستجمام بعد عملية جراحية أجراها في أوروبا، وأول كلمة قالها لي: “اهدأ سترجع الكويت وكل شيء يعود إلى طبيعته”.
في الأيام التي سبقت الغزو، كانت هناك تأكيدات من قادة عرب عدة زاروا العراق والكويت، ونفوا أن تكون الحشود العسكرية، من أجل أي عمل عسكري، إنما نقلوا للقيادة الكويتية” أن هذه القوات انسحبت من الجبهة مع إيران، وسيصار إلى إعادة نشرها في العراق”، كما أوحى لهم صدام، رغم صور أقمار اصطناعية حصلت عليها بعض الدول الصديقة، ونصائح قادتها للكويت باتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة أي خطوة عدوانية يقدم عليها النظام العراقي.
أجرى الملك فهد بن عبدالعزيز اتصالات كثيرة، كما حاول الاتصال بصدام حسين، لكن ذلك الأرعن لم يجب على الاتصالات، وتشدد في موقفه مستنداً إلى وعود أغرى بها قادة الأردن وتونس واليمن والسودان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وليبيا، بأن يتقاسم معها موجودات الصندوق السيادي الكويتي فور وضع يده عليه.
في ذلك الوقت، رفضت مصر حسني مبارك تغطية الغزو العراقي، وقال مبارك رداً على وعد صدام له بأن تحصل مصر على 30 مليار دولار من الأموال الكويتية: “ستعود الكويت ولن تحصلوا على أي فلس من أموالها”، فيما كان أول بياني استنكار لهذه الجريمة يصدران من بيروت والرباط اللتين رفضتا كل الإغراءات، لتتبعها العواصم العربية التي أيدت الحق الكويتي.
يومها كانت نصيحة بعض الدول الصديقة لأمير الكويت الشيخ جابر الأحمد، ووزير المالية، حينها، الشيخ علي الخليفة، بتجميد الأرصدة الكويتية كافة في الخارج، حتى الأرصدة الشخصية للمواطنين العادييين.
في المقابل كانت شعوب دول الخليج العربية وقادتها تفتح صدورها قبل بيوتها للكويتيين، في السعودية وقطر والبحرين والإمارات وسلطنة عمان، وتعاملت مصارفها ومؤسساتها المالية مع الدينار بسعر صرفه قبل الغزو، وحينها شكلت دول “مجلس التعاون” أول جبهة حقيقية للدفاع عن أمنها القومي، فيما الملك فهد بن عبدالعزيز لم ينفك يجري اتصالاته بالعالم أجمع، وأمر بنقل القيادة الشرعية الكويتية إلى الطائف كي تكون بعيدة عن المخاطر العراقية.
مما أذكر، أن في يوم من تلك الأيام الحزينة كان المرحوم الشيخ جابر الأحمد ضيفاً على الغداء عند الملك فهد، فنظر إليه خادم الحرمين ووجده قلقاً حزيناً، فقال له: “يا طويل العمر لا تقلق، الكويت ستعود، وقريباً جداً، وأعدك أنني سأكون ضيفك على الغداء فيها”، واضعاً يده على رقبته كعهد وفاء لتحقيق ذلك.
فعلاً ما إن تحررت الكويت، ورغم دخان حرائق آبار النفط، التي أشعلها العراقيون، والمخاطر الأمنية، أوفى الملك بوعده لسمو الأمير الراحل، رغم بقاء طائرته تحلق في الجو لنحو ساعة بسبب سوء الرؤية من ذلك الدخان، فكان الضيف الأول الذي يحل على الكويت، ويتناول طعام الغداء كما وعد.
عادت الكويت في السادس والعشرين من فبراير عام 1991 بفضل تضحيات شعبها وقيادتها، وبالتفاف الأشقاء الخليجيين حولها، ووقوف العالم إلى جانب الحق في هذه القضية العادلة التي يجب أن تبقى ماثلة في أذهان الكويتيين، جيلاً بعد جيل من أجل استلهام العبر والدروس منها، كي تبقى الكويت حرة، قوية قادرة على مواجهة الصعاب، وألا يفرط شعبها بدماء الشهداء والمفقودين الذين سطروا واحدة من أروع ملاحم الفداء والوحدة الوطنية.
ونحن لن ننسى… لن ننسى… لن ننسى تضحيات الأخوة السعوديين والقطريين والإماراتيين والبحرينيين والعمانيين معنا، ولا الشرفاء الذين ساندوا الحق الكويتي، لأن التاريخ رغم كل المآسي التي لا تزال تدمي قلوب أسر الشهداء والمفقودين، يحتوي أيضاً على صفحات من نور مكتوبة بحبر الوفاء لكل من وقف مع الكويت.

You might also like