الثورات خديعة… أيها السوريون عودوا إلى أرضكم

آن الاوان كي يكون الحديث عن سورية شفافا وصريحاً، فالمأساة المستمرة منذ سبع سنوات آن لها ان تنتهي، ويتوقف مسلسل تدفيع الشعب السوري اثمان مغامرات ومشاريع الاخوان المسلمين ونظام طهران ومن خلفهما اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية الضامن الدائم لامن تل ابيب.
اليوم حين نراجع ما حدث في ليبيا والعراق، والى اين انتهى الوضع في لبنان علينا جميعا ان نحمد الله ان العناية الالهية والموقف الشعبي المدعوم من خير اجناد الارض انقذ مصر من براثن الاخوان، وذراعها «حماس» الوسيط بين الجماعة وايران، وان نعترف ان تماسك الدولة في سورية في مواجهة مخطط تلك النبتة الخبيثة المتسترة بجماعة الافك، دحر مخطط تقسيمها، اذ لولا ذلك لكانت اليوم اشبه بليبيا التي اسقطتها مؤامرة الاخوان في غضون ايام، وتحولت الى بؤرة توتر اقليمي تحتشد فيها عشرات الميليشيات الارهابية التي تتقاسم السيطرة عليها وتجعلها قاعدة انطلاق الى تخريب مصر وتونس والدول المجاورة، فيما استيقظت شياطين تقسيمها مجددا الى ثلاث دول، وهو ما وقع فيه العراق بعد الاجتياح الاميركي في العام 2003 وولدت من رحم التحالف غير المباشر الايراني الاميركي الاسرائيلي عصابات القتل الطائفية التي جعلت العراق اليوم مقبلا على تقسيم لا يمكن منعه الا بتقليم اظافر الفرس ودفن الوحش الطائفي المتمثل بالحشد الشعبي والميليشيات الطائفية الاخرى، بعد القضاء على «داعش».
سورية لم تكن بعيدة عن هذا المخطط، التي فجأة تحولت ساحة قتال مشاريع، وفتحت الملاجىء للسوريين في تركيا التي دفعت ايضا بآلاف المقاتلين الاجانب ومئات اطنان الاسلحة لتغذية كارثة الحرب، وفي المقابل عملت على تفكيك آلاف المصانع ونقلها من حلب الى الداخل التركي، وذلك في اطار مشروع تمكين الاخوان من الحكم، او بالاحرى جلعهم القوة القادرة على تفكيك سورية.
اذا اردنا الحديث بصراحة اكثر، لا بد من العودة الى تاريخ سورية الحديث، فبعد جلاء القوات الفرنسية في العام 1946 وقعت الدولة فريسة الطامعين في الحكم، فكان الضابط الذي يستيقظ مبكرا يصدر البيان الانقلابي الاول، ويمسك بزمام السلطة،واستمر الوضع المأسوي على هذه الحال حتى العام 1970 حين اقدم حافظ الاسد على حسم الامر وقطع دابر الانقلابات، وفرض الاستقرار بالشدة التي كانت تحتاجها هذه الدولة ذات الموقع الستراتيجي.
ورغم كل الملاحظات على حكم حافظ الاسد، وبعيدا من الموقف منه، لابد من الاعتراف بالحقيقة ان خلال تلك الفترة بنى دولة مستقرة، وحقق تنمية ضمن الامكانات المتاحة، وابعد السوريين عن تجرع كؤوس الطائفية المرة التي يتجرعون اليوم سمها بسبب انسياق جماعات منهم خلف شعارات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.
حين دفعت اطراف التآمر على سورية الى اخراج السوريين من ارضهم واضطرتهم للبحث عن مكان يؤويهم كانت تستهدف نقل الصراع في الداخل الى الدول المجاورة، أكان في الاردن حيث ارادوا إثقاله بحمل اكبرمن طاقته الاقتصادية والمادية وارهاق قواته الامنية عبر زيادة المشكلات والصدمات بين اللاجئين والاردنيين، وتسهيل دخول الميليشيات اليه لتعبر منه الى المملكة العربية السعودية ودول الخليج التي هي الجائزة الكبرى لهذا المخطط.
اما في لبنان فقد كان الهدف من دفع مليون ونصف المليون سوري الى بلد منهك ذي إمكانات محدودة، نقل المعركة اليه، لكن هذه المرة بمساعدة الذراع العسكرية الايرانية المسماة «حزب الله» وإثارة الحساسيات بين السوريين واللبنانيين، فاذا كان الحزب الايراني قد انغمس في الحرب مباشرة، فهو في الوقت ذاته استدرج العصابات الطائفية السورية الى حدود لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من اداء واجبها في السيطرة على حدودها طوال اربع سنوات كي ينسب لنفسه انتصارا على حالة اوجدها هو وهدفها في نهاية المطاف ايصال قوات الحرس الثوري الى شواطىء البحر الابيض المتوسط.
من يراجع التاريخ يجد ان هذا المخطط القديم الجديد، عملت عليه جماعة الاخوان المسلمين منذ بداياتها في مصر حين جيّشت الشعب على الحكم الملكي بالتعاون مع حليفها جمال عبدالناصر الذي قاد انقلابه الشهير على فاروق ملك مصر والسودان آنذاك وكان من اولى نتائج انقلاب 1952 فصل السودان واطلاق وحش تقسيمه الذي استطاع اقتطاع جنوبه في نهاية المطاف في ظل حكم الاخوان المسلمين المستمر منذ العام 1989، فيما عبدالناصر الثوري الذي رفع شعار «رمي اليهود في البحر» خاض ثلاثة حروب مع اسرائيل، وفي كل واحدة منها كانت تزداد مساحة توسع الدولة العبرية حتى كادت تصل في العام 1967 الى القاهرة، ولولا رؤية السادات فيما بعد، لا سيما بعد حرب 1973، وايقانه ان مقتل اسرائيل في السلام، لكانت اليوم القاهرة تحت تهديد البنادق الاسرائيلية، ولو كان الامر استتب لمكتب الاوغاد واستمرار حكمه عبر الدمية محمد مرسي الذي يحاكم اليوم بتهمة الخاينة العظمى لوضعه اسرار الدولة بتصرف قطر واسرائيل، لكانت مصر اليوم قد اصبحت اربع دول، الا ان العناية الالهية ويقظة الشعب المصري وجيشه في ثورة 30 يونيو احبطت ذلك المخطط.
هذه الحقيقة يجب ان تكون امام الجميع في مقاربة الوضع بسورية، التي رغم الفساد الذي عشش في مؤسساتها الا انها كانت دولة آمنة مستقرة تسير في اتجاه التنمية،واذا كانت الثورة للقضاء على الفساد فهذا يعني ان تثور كل شعوب العالم على الفساد الموجود في غالبية حكوماتها، بل ان اكثر الدول ديمقراطية تعاني منه، بدءا من الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا، فيما ما يجري حاليا في سورية من تدمير للدولة والشعب وتجذير الطائفية هو الفساد عينه، آليست عشرات الميليشيات المسلحة تعيث فسادا وافسادا لذلك فإن علاج هذا الامر لا يكون من خلال الحرب الاهلية، ولا دفن الرؤوس في الرمال عن مواجهة حقيقة ان الشعب السوري هو ضحية لعبة الخداع، نعم خداع الشعب ودفعه الى جحيم الكارثة.
اذا كان هناك من يسعى الى تحقيق مصلحة الشعب السوري، فعليه ان يعمل على اعادة اللاجئين الى بلدهم، بعيدا عمن يحكم، لانه بذلك يمكن منع تقسيم سورية الذي قد يتحول فيروساً يضرب العالم العربي كله، ويتحقق من خلاله مشروع التوسع الفارسي ومعه سيطرة اسرائيل على العالم العربي من خلال تمكين الاخوان الذين هدفهم ليس اقامة حكم الله، انما حماية امن اسرائيل سواء أكان ذلك بعلمهم أو نتيجة ضيق أفق رؤيتهم للأمور.
نعم، على السوريين ان يدركوا انهم كانوا ضحية خديعة كبرى اسمها الثورة.

أحمد الجارالله