الجزائر… مفتاح الحل بيد المعارضة أم الجيش؟

0 218

تبدو الجزائر اليوم في مشهد مختلف كلياً عمّا ألفه الجزائريون طوال تاريخ دولة الاستقلال، أو هكذا يوحى إلى العامة، خصوصاً بعد إعلان رئيس الأركان أحمد قايد صالح تطبيق المادة 102 من الدستور القاضية باعتبار منصب الرئيس خاليا لعدم قدرته على ممارسة مهماته.
صحيح أن ما جرى في الأيام القليلة الماضية بمثابة انقلاب عسكري غير دموي، لكنه في الحقيقة رضوخ لإرادة الشعب التي لم تكن في حسابات قادتهم منذ إعلان الاستقلال في عام 1962، إذ أسقط أول رئيس للجمهورية بانقلاب عسكري، وأعلنت حال الطوارئ.
بعدها تحول قائد الانقلاب رئيساً لمجلس قيادة الثورة ثم رئيسا بقوة القمع لتعود الأمور بعد وفاة هواري بومدين إلى المربع الأول مع دخول الشاذلي بن جديد نادي الرؤساء المفروضين من الحزب الحاكم والعسكر، غير أنه خرج من السلطة تحت ضغط الحرب الأهلية التي تسببت بها محاولة الأخوان المسلمين الهيمنة على الحكم عبر السعي إلى سرقة الانتخابات، وما تلا ذلك من أحداث سياسية، دفعت بالشاذلي بن جديد إلى الاستقالة، وتوالت بعدها الأحداث واستعرت نار الحرب الأهلية وكانت شرارتها باغتيال الرئيس محمد بوضياف.
طبعا لم تكن الدول الأوروبية والغرب عموماً، وغالبية الدول العربية على استعداد لقبول حكم التيارات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة “الإخوان”، عبر الانتخابات التي لوحظ من الوهلة الأولى أنها لا تعبر عن توجه الجزائريين، وقد ترجم الإسلاميون ذلك في المجازر التي أبادوا فيها قرى بأكملها.
هذا المشهد التراجيدي لم تشهده الجزائر في الحراك الأخير، بل بقي المحتجون تحت سقف القانون، مدركين أن السلمية تنجي بلدهم من دهاليز الحرب المشتعلة في ليبيا القريبة منهم، وسورية والعراق واليمن البعيدة، وأن ما حققته تظاهرات السترات الصفر الفرنسية يمكن أن يحققه الجزائريون، مع اختلاف المطالب، رغم التشابه في المظهر.
لا شك أن الجزائريين تأثروا بالثقافة الأوروبية نتيجة العلاقات التاريخية بين بلادهم وأوروبا، وبخاصة فرنسا، كما أن لديهم تجربة سنوات الجمر التي استمرت من عام 1992 حتى 2002، كما أن الجيش أدرك أن معاداة الشعب تعريه من حاضنته الطبيعية، لذلك استلهم التجربة المصرية حين انحاز إلى الشعب، في عامي 2011 و2013، وتدرج في إنذار المجموعة الحاكمة حتى وصل إلى إعلان خلو منصب الرئيس.
شكلاً نزعت خطوة رئيس الأركان فتيل الفوضى، غير أنها تحتاج إلى خطوات مرنة أكثر، ومنها السعي إلى تحديد موعد للانتخابات الرئاسية، تماماً كما حصل في مصر عام 2013 عندما أسقط الشعب، بدعم من الجيش، حكم مكتب الإرشاد الإخواني لأنه بهذه الخطوة يقطع الجزائريون الطريق على التيارات الإسلامية من استغلال الوضع والنفاذ من خلال استمرار الاحتجاجات إلى تحقيق أهدافها، فتكون استردت ماخسرته في مصر من خلال اثارة الفوضى في الجزائر.
الآن باتت الكرة في ملعب المعارضة الجزائرية التي عليها ألا تدفع البلاد إلى الفوضى عبر رفضها قرارات رئيس الأركان كما أن على الجيش ألا يعيد تعويم السلطة الحالية من خلال إطالة أمد الأزمة لأنهما بذلك يدفعان إلى تجرع مرارة الدم والدمار خصوصا أن الجماعات المتطرفة تبحث حاليا عن مأوى لها، ولم تكن الجزائر بعيدة عن ذلك بعد محاولة “داعش” في ليبيا حشد مقاتليه على حدودها تمهيداً للانتقال إليها.

أحمد الجارالله

You might also like