الجمال… ثراءٌ في فلسفة الخَلق

مَن لا يستطيعُ أنْ يرى في التّفكير جمال العقل، وفي القراءةِ جمال البصيرة، وفي الجُّرأةِ جمال المعرفة، وفي السؤال جمال الفهم، وفي الحرفِ جمال النَّبض، وفي الفلسفة جمال الخَلق، وفي الموسيقى جمال الإحساس، وفي اللون جمال الإبداع، وفي الحبّ جمال الحرّيّة، وفي الخيال جمال الدَّهشة، وفي الرَّقص جمال الجسد، وفي المرأةِ جمال الحياة، وفي العُريّ جمال الطبيعة. فإنّهُ يتداوى بالغباءِ والقبح والقباحة والدَّمامة والبلادة والتّفاهة والسَّذاجة والعتمة.
ولذلك أستطيع القول: لا يرثُ الجمالَ إلاّ الجمال. فالجمال فلسفة الميراث الإنسانيّ الأبهى، إنّه الجمال الذي يرتحلُ بالميراث من ذاكرةٍ إلى ذاكرةٍ أرحب، ومن فكرةٍ إلى فكرةٍ أشهى، ومن أسلوبٍ إلى أسلوبٍ أعمق، ومن لغةٍ إلى لغةٍ أشمل، ومن إبداع إلى إبداع أجمل. فالجمال فلسفةٌ في التغيير، واشتهاءٌ في المذاق، وابداعٌ في التعبير، وخلقٌ في الخيال، ودهشةٌ في المستحيل، ودفقةٌ في الضّوء، ولونٌ في التنوّع، واستمراريّةٌ في التجدّد، وحريةٌ في البياض الشفيف، ومعنىً في الوجود. إنّهُ كلّ ذلكَ الميراث الشَّغوف، وهوَ يتخلّقُ جديداً دائماً في مخاض المعاني.
والجمال لا يرى إلاّ الجمال، إنّه لا يرى في نقيض القبح أو الدمامة، جمال صورتهِ، أو جمال مستوياته. إنّه فقط يرى في جمالهِ، جمال واقعه وجمال مستوياته وجوانبه. إنّه لا يحتاج إلى أنْ يرى القبح والدمامة، لكي يرى جماله، ولا يبني وجوده على أنقاض القبح. إنّه يتأسّس جمالاً، ويأتي جمالاً، ويتواجد جمالاً، ويمضي جمالاً، ويكون جمالاً. فالجمال كائنٌ يتخلّقُ في مخاض الجمال، إنّه يبني وجوده في وجودهِ، ويتغذّى من وجوده على وجودهِ، ويتعرَّفُ على وجوده من خلال وجوده، ويحضرُ وجوداً في تمثَّلاتِ وجوده.
وعليهِ فإنّ الجمال يساوي الجمال، يساوي مقدار ما فيه من ألقٍ وإبداعٍ وتفرّدٍ وبذخ. ويساوي مقدار ما في وجوده من تساؤلاتٍ واستنطاقات وتموّجات وإبداعات وأضواء. فالجمال لا يساوي إلاّ نفسه، لأنّه يقومُ في ذاته على ذاته، ويتأسّس في وجوده على وجودهِ، إنّه يأتي من حيث كانَ موجوداً، ويأتي من حيث إنّه موجود. إنّه يساوي نفسه، لأنّه يرى نفسه في نفسهِ، ويرى جماله في جمالهِ، ويرى انعكاسه في انعكاسهِ، ويُمارس نفسه من خلال نفسه، ويؤازرُ نفسه بنفسهِ، ويُرمّم ذاته بِذاته.
والجمال فلسفة الحرّيّة، فلا وجود لجمالٍ من غير حرّيّة، ولا وجود لحرّيّةٍ من غير جمال. إنّهما يخلقان وجودهما في وجودٍ يتخلّقُ بهما ومعهما. هذا الجمال الحرّ، يستدعي بالضَّرورة جمال حرّيّتهُ، إنّه يمنح الحرّيّة جمال الانسياب، وجمال الخَلق، وجمال الدهشة، وجمال التَّجاوز، وجمال الحركة المثمرة، وجمال التمرّد الخلاّق. ولا يستطيعُ هذا الجمال، إلاّ أنْ يكون حرّاً في جمالهِ، ومُبدعاً في حرّيّته، يملكُ من ألق الحرّيّة، إبداع المعنى، وخصوبة الفهم، وجوهر الوعي، وقداسة التفرّد، ودفقة الابتكار، وعطاء الإبداع، فالحرّيّة هنا كَالجمال وأشهى، والجمال هنا كَالحرّيّة وأشهى.
والجمال فلسفة الحبّ، والحبُّ فلسفة الجمال، فالجمال يرتقي في الحبّ، ويسمو به، وينمو في أعماقهِ، وكذلك الجمال يرتقي في الحبّ، ويسمو به، وينمو في أعماقهِ. إنّه الجمال الذي يستدعي الحبَّ في أبهى صورهِ وتجلّياته وعطاءاتهِ، وهو الجمال الذي لا حدَّ للحبّ في أنساقهِ، وفي معطياتهِ وفي فنونهِ، وفي ألوانهِ وتنوّعاتهِ ومستوياتهِ. إنّه يرتقي في الحبّ مدارج الحبّ، ويمنحَ الحبّ جمال الحضور، وألق المعنى، وبهاء الإحساس، ونقاء التّعالق. هذا الجمال يتجلّى جمالاً، لأنّه يأتي حبّاً، ويزهو حبّاً، وينمو حبّاً، ويتواجد حبّاً. فالحبُّ في جوهر الجمال، أصل وجودهِ، وبدائع معانيه، وسموّ إبداعاتهِ. هذا الحبّ يأتي جمالاً، وينمو مفعماً بجمال أحاسيسه وتعالقاتهِ وحرّيّتهِ وشعورهِ، ويختالُ متوّجاً بكلّ ما يملكُ من جماليات الوضوح والشفافيّة والسَّطوع. فالجمال والحبّ، هما الشيء ذاته، وهما المخاض ذاته، وهما الخَلق ذاته، وهما الوجود ذاته، إنّهما يتخلّقان سويّاً في رؤيةٍ، تتكاملُ جمالاً وحبّاً.
والجمال فلسفة الإدراك. إنّه الجمال الذي يخلقُ في وعيّ الإدراك جمال الإدراك، ذلك الإدراك الذي يستشعرُ استنطاقاتهِ الحسيّة والذهنيّة، بمتعةٍ تأمليّةٍ بالغة. فالتأمّل في فلسفة الإدراك، جوهرهُ الأساس، إنّه النبع الذي ينهلُ منه الإدراك فتوحاته المعرفيّة في تذوّق الجمال، وهوَ التأمّل الذي يذهبُ إلى ما وراء الجمال، يستدعي مكنوناته الخفيّة، وأعماقه الخلاّقة، وجوانبه الفسيحة، واشراقاته الوامضة. وهوَ الفنُّ الذي يرى في الجمال، حلماً، وفتنةً، وحضوراً بهيّاً، وإلهاماً ناطقاً متحرّكاً، وفكراً خالقاً. إنّهُ في هذا الجمال، يكونُ جمالاً، رائياً محدّقاً في وجودهِ، ومفكّراً مُبدعاً في استنطاقاته، وخالقاً ملهماً في ألوانه.
وإنّهُ الإدراك الذي يتجلّى عميقاً في ذاكرةٍ مفعمةٍ بالخيال الخصب، والتخيّل الخلاّق. هيَ الذاكرة التي تتحرّكُ في الزمن الآتي، في اقتناص اللحظة الدافقة بالخيال الملهم، وفي تلوينات الجمال الناطق. فالإدراك هنا ذاكرة، تتدفقُ بالتوهّج الذهني، وتحضرُ في ملكوت الجمال، خيالاً ساطعاً، بتدفقاتهِ المعرفيّة والتفكّريّة والفلسفيّة. إنّهُ الإدراك المترع بذاكرةٍ، جائعةٍ للجمال، ومستهامةً به، وحاضرةً في إلهاماته. إنّها الذاكرة التي تتحسّس وجودها الإدراكي، في وجود الجمال، على قيد الإبداع والخَلق والمعنى والتفنّن والإلهام والإحساس والرهافة والحرّيّة والتّذوق والحبّ.
الجمالُ في كلّ تجلّياتهِ، ثراءٌ في فلسفة الخَلق. إنّهُ في الخَلق، يخلقُ فلسفة وجوده، ويخلقُ فلسفة المعنى، وفلسفة الفكرة، وفلسفة الرؤية، وفلسفة الذاكرة، وفلسفة المقصد. إنّه في تجلّياته، وفي حضوره وألوانه وتنوّعاته ومضامينه وأشكاله وإبداعاته، إنّما يهدفُ إلى ابتكار معانيه في تخلّقات وجوده، فالخَلق في منطقهِ، أساس فلسفته. إنّهُ لا يعرفُ إلاّ أنْ يكونَ خالقاً للثراء الفكريّ والفنّيّ والتعبيريّ في معانيه، وفي صورهِ وتصوّراته ومفاهيمه، مستحضراً في الوقتِ ذاته، الذاكرة المعرفيّة الإنسانية في الإبداع والتجلّي والاستنطاق والتفلسف. والخَلق في فلسفة الجمال، صناعتهُ التي تزيدهُ حضوراً، وتُفعمهُ تجدّداً، وتمنحهُ ألق التغيير، واقتناص الفكرة الملهمة، وشغف البحث الجديد. هذا الجمال يخلقُ جماله، ويخلقُ مناخه الخاص في هدوءٍ وبطءٍ وتأنّق وعزلةٍ خلاّقة، ويخلقُ حضوره في بذخ التجلّيات الناطقة، ويخلقُ ذاكرته التي تتخلّقُ جديداً في ذاكرةٍ تستلهمُ من زخم افهاماتها، معانٍ وأساليب مبتكرة ومتجدّدة.
في الجمال فلسفة الإيقاع، من حيث أنّ الجمالَ يأتي إحساساً مُفعماً بالتَّدفقات النابضة، على إيقاعات الفكرة البارقة، واللقطة الناطقة، والذاكرة الوامضة الملهمة، وعلى إيقاعات الحركة الواثبة، واللحظة المترعة بألق التأمّلات. وحتّى أنّهُ يأتي مدفوعاً بإيقاعات المشاعر والأشواق واللهفات التي تلامس نبض الحبّ في تلويناته وتنوّعاته وهواجسه واستنطاقاته. وفي الإحساس رهافة الإيقاع، ذلكَ الإيقاع الباذخ بأحاسيس التَّذوق والتفنّن، وتجلّيات اللمسة العاشقة الشغوفة المبدعة.
وفي الجمالِ إيقاع التجربة. ففي كلّ جمالٍ هناك تجربة. التجربة التي تترسَّخُ وجوداً على إيقاعات المعاني والتَّوجسات والأفكار والتَّفكّرات والتغيّرات والصور والتَّصوراتِ. هذا الجمال يأتي من فراغ التجربة، ولكنّهُ يتخلّقُ ممارسةً وعمقاً وحضوراً وتواجداً في إيقاع التجربة، إنّه يمارس حضوره الذاتيّ وخلقه المتجدّد في تجربةٍ، يلامسُ من خلالها بشفافيّة وجماليّة، إلهاماته وأفكاره وإبداعاته وتميّزاته وسطوعه، ومُدركاً في الوقتِ ذاته نواقصه وعثراته وتعثّراته واخفاقاته. وعلى إيقاع تجربتهِ المتجدّدة والمثابرة، في الإبداع والفنون والأفكار والصور والألوان والأشكال، يرتادُ الجمال سفوحاً بعيدة، تتميّزُ بوعيّ التمرّد والمجازفة، وتختالُ بِموهبة التَّخطّي والتجاوز.
ربما في إيقاع الصَّمت، فلسفة الجمال البليغ. ذلكَ الإيقاع الذي يتجلّى جمالاً في بلاغة المعنى، وفي بلاغة التفرّد والنَّضج والهدوء والعزلة والرمزيّة. فالجمال ليسَ ضجيجاً، ولا يهوى الضجيج، ولا يتخلّقُ في ضجيج الضَّجيج، إنّه ينسابُ تفرّداً في هدوء الصَّمت الملهم، وينهلُ من الصَّمتِ جمال الانصات، وعذوبة المعنى، ودهشة الفكرة، ورصانة الفهم. إنّه يصمتُ عميقاً، لأنّهُ يشتهي في صمتهِ وحيّ الهدوء، وفي صمتهِ يتحسّس عزلة الإبداع. فالصَّمتُ في فلسفة الجمال، شغفهُ الذي يُدوزن المعاني والأفكار والتَّصورات، على إيقاع الرؤية والتبصَّر والفهم والذوق والاشتهاء. وفي كلّ الفنون االتعبيريّة والتشكيليّة والكتابيّة والحركيّة والمرئيّة العظيمة، كان إيقاع الصّمتُ فيها ينسجُ من جمالهِ، جمال التفرّد والبلاغة والدهشة والنبوغ والنَّضج. فالجمال هنا، في كلّ إيقاعاته الناطقة الفاتنة الخلاّقة والملهمة والمترفة، إنّما يستنطقُ بجماليّة فارهة، ترصَّادته وتفاعلاته وتناغماته وتفلسفاته وإبداعاته، في تخلّقات اللون والشكل والأسلوب والفكرة والتنوّع والخيال.
في الجمال حقيقة، حقيقة كونهِ جمالاً، وليسَ زيفاً. لا يُمكن للجمال أنْ يكونَ زيفاً، لأنّه يسطعُ بحقيقتهِ المشعّة، بِحقيقة كونهِ وجوداً، يستدعي حرّيّته إبداعاً وتألّقاً، ويستدعي الناظرَ له والشغوفَ به، بِذات القدر من الحرّيّة والألق والسطوع الذي فيه. والناظرُ للجمال والشغوف به والمتطلّع إليه والمحسُّ به والمتخلّق فيه، يستدعي الجمالَ أيضاً، بذات القدر الذي في أعماقهِ من حقيقةٍ وحرّيّة ٍ وتجلّ وتألّق. والجمال يخلقُ حقيقته، بِذات القدر الذي فيه من حقيقةِ وجوده ومعانيه وصفاته وتوهّجاته. فالحقيقة في أبهى صورها وتجلّياتها وأنساقها ومستوياتها، وفي احتمالاتها ورحابتها، صناعة الجمال في حقيقتهِ جمالاً، وليسَ زيفاً.

كاتب كويتي
[email protected]

Leave A Reply

Your email address will not be published.