الحالة الأمنية في البحرين… محددات داخلية وتهديدات دولية وإقليمية

0 242

* أيديولوجية ترامب وشخصيته المتقلبة دفعتا إلى اختيار أهداف عدائية مثل التنصل من المنظمات الدولية ومهاجمة حلفاء واشنطن
* التجاذب السياسي والستراتيجي في مراكز التأثير الأميركية سمح لطهران بتهديد أمن الخليج ورفع تحديها لدول المنطقة
* ارتباك واشنطن لم يعد خافياً على أحد في تعاملها مع الأحداث الإرهابية الأخيرة التي ارتكبتها طهران في الخليج

تتجه التهديدات التي يعيشها العالم حاليا نحو مزيد من التشابك والتعقيد نتيجة لعلاقة التأثير والتأثر بين الدولي والإقليمي والمحلي، وذلك بفعل ظهور تشكيلات تستخدم التقنيات الحديثة، بدءًا من الحواسيب حتى تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، وأضحت قادرة على فهم المعادلات السياسية واستغلال الثغرات الاقتصادية، وتطويع الأدوات الثقافية وغيرها لتحقيق أهدافها الإجرامية عبر الدول والقارات؛ مما خلق حاجة إلى إيجاد أساليب إبداعية وابتكارية للتعاطي معها، بتعاون ومشاركة الأجهزة الأمنية في جميع دول العالم.
وقبل التطبيق على مملكة البحرين كدراسة حالة لجهة مجابهة ذلك النوع من التحديات والتهديدات الأمنية يتعين بداية توضيح حقيقة مهمة، وهي أن معظم التحديات الأمنية الدولية تتشابك مع التحديات الأمنية الإقليمية، والمحلية وإن كانت الأخيرتان احتفظتا ببعض التفاصيل الخاصة بهما، ويؤكد ذلك ما يلي:
1 – الإرهاب، يمثل التحدي الأكبر للأمن والاستقرار في العالم؛ وقد شهد هذا العام وقوع العديد من العمليات الإرهابية من قبيل: اقتحام فندق في نيروبي وقتل21 شخصًا، وقيام مُتعصب بإطلاق نار على مسجدين في نيوزيلندا مخلّفًا50 قتيلاً، والهجمات التي شهدتها سريلانكا وراح ضحيتها360 شخصا، ومقتل33 وإصابة أكثر من89 شخصا في حوادث إطلاق نار عشوائي منفصلة بمدن تكساس وأوهايو وكاليفورنيا ودايتون وشيكاغو في الولايات المتحدة، والانفجار الذي وقع بمنطقة القصر العيني بالقاهرة، وراح ضحيته 22 شخصًا وإصابة 47 آخرين، واقتحام مسجد في منطقة بايروم غربي العاصمة أوسلو، وتفجير صالة “شار دبي” غرب العاصمة الأفغانية كابول ومقتل 83 شخصًا، وإصابة أكثر من 180 آخرين.
وتعكس هذه الحوادث استمرار التهديد الذي يُمثله الإرهاب، مدفوعًا بأيديولوجيات تمثلها تيارات يمينية متطرفة، وهو ما لا ينفصل عن تهديد الإرهاب الإقليمي لدول” مجلس التعاون” الخليجي، بسبب عودة المواطنين الخليجيين الذين التحقوا بتنظيم”داعش” إلى بلادهم بعد هزيمته،اذ وفق تقرير جمعية “هنري جاكسون”، البحثية بلندن؛ فإن”عدد السعوديين الذين انضموا إلى التنظيم وصل إلى 3000، والكويتيين 100، والقطريين 15 والإماراتيين 15، والبحرينيين12، ولا وجود لعمانيين”.
2 – “الصراعات الدولية”: والتي قد تتحول إلى صراعات إقليمية، وينطبق هذا على الحرب الأهلية السورية، نتيجة تورط أطراف إقليمية ودولية فيها، مثل إيران وروسيا، والولايات المتحدة، وإسرائيل وتركيا، كما تنبئ الصدامات أيضًا التي وقعت اخيرا بين الهند وباكستان في كشمير عن مخاوف حدوث مواجهة عسكرية بينهما تمتد آثارها إلى منطقة الخليج بحكم القرب الجغرافي، خصوصا بعد إلغاء الهند الوضع الخاص لإقليم كشمير في الخامس من شهر أغسطس، وتخوفات أخرى من تهديد التنافس القائم بين أميركا والصين، أو أميركا وروسيا للأمنين الدولي والإقليمي.
3- إيران: والتي تعد بمثابة مصدر أساسي للتهديد على المستويين الدولي والإقليمي، فمن جهة هناك الاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام 2015 بين إيران، والدول الست (الصين، روسيا، أميركا، فرنسا، ألمانيا وبريطانيا)؛ بهدف توجيه برنامجها النووي للأغراض السلمية، وبموجبه تم رفع معظم العقوبات التي كانت مفروضة عليها، الأمر الذي استغلته في تطوير منظومتها الصاروخية، وهو ما أدركه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فقام بالانسحاب من الاتفاق بشكل منفرد؛ بعد أن رأى أنه يمثل تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة والعالم، ومن جهة أخرى تسعى إيران لإثارة الاضطرابات والقلاقل في دول المنطقة، وعلى رأسها دول الخليج، مهددة بذلك الأمن والسلم الأهلي من خلال ضرب الوحدة الوطنية وإشاعة الكراهية، مستخدمة في ذلك أذرعها مثل “حزب الله” اللبناني وفروعه في العراق والخليج، وحزب “الدعوة” و”الحشد الشعبي” في العراق وجماعة الحوثي في اليمن إلى جانب عملائها وخلاياها النائمة.
وليس ببعيد الأعمال العدائية التي اقترفتها في مايو ويونيو ويوليو من هذا العام، والتي بدأتها بعمليات تخريب لأربع سفن تجارية قبالة ساحل إمارة الفجيرة في الإمارات، ثم تفجير محطتي ضخ لخط أنابيب ينقل النفط السعودي، ثم الهجوم على ناقلتي نفط في بحر عمان، وإسقاطها لطائرة مسيرة أميركية بزعم أنها دخلت مجالها الجوي، واحتجازها لناقلتي نفط إحداهما بريطانية.

التغير في السياسة الخارجية الأميركية
فمع بدء تولي ترامب الرئاسة، واجه انتقادات واسعة حول سياسته الخارجية، التي وصفها محللون بـ”التذبذب والعدوانية والتضارب وعدم الوضوح وتجاهل المعايير الدولية”، واتجه البعض للقول أنه”لا يملك سياسة خارجية من الأساس”، وهو ما يتضح من إخفاقاته في ما يتعلق بتنسيق السياسة الخارجية، وتنفيذها، وأسلوب الإدارة والرؤية، وذلك بسبب قلة خبرته، وتعنُته وسوء اختياره لمستشاريه وأوجه القصور الأخرى التي تمثلها شخصيته، حيث يتسم بالمزاجية في ما يتعلق بالشؤون الدولية، الأمر الذي أدى إلى تقويض مكانة أميركا كقوة ليبرالية عالمية.
ودفعته أيديولوجيته وشخصيته المتقلبة إلى انتهاج أهداف عدائية، مثل التنصل من المنظمات الدولية، ومهاجمة حلفاء واشنطن والتعامل معهم بلغة التجارة وليس السياسة، ودعم الحكام الشعبويين وتأجيج النزاعات، وزعزعة الاستقرار الاقتصادي العالمي والأمن الإقليمي، وتقويض عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين؛ ما خلق حالة من التهديد لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط.
وتجّلى تناقض السياسة الخارجية الأميركية، بصورة أكثر وضوحا في طريقة تعامل واشنطن مع طهران في إطار تأرجح الموقف بين الإقرار بالتزامها بالشروط التي تضمنها الاتفاق النووي، وبين فرضها سياسة “الضغط الأقصى” والانسحاب من الاتفاق. كما ظهر الارتباك الواضح في طريقة تعاملها مع الأحداث الإرهابية الأخيرة التي قامت بها في الخليج والتي تم ذكرها سابقا- وتخاذلها في الرد عليها، وتحول الأمر “حربا كلامية”، ما بين قول الرئيس الأميركي، إن إيران ستواجه “قوة هائلة”، وبين سعيه لإجراء محادثات معها. فمنذ بدايات الأزمة، كان هناك توقع أن توجه أميركا رسائل رادعة لإيران-حفاظا على هيبة الدولة العظمى- وتنقل المواجهة إلى مرحلة جديدة مع النظام بهدف تهميش خياراته، إلا أن ترددها وحدوث حالة من التجاذب السياسي والستراتيجي داخل مراكز التأثير الداخلية، سمح لطهران بتهديد أمن الخليج، وتحديها أكثر لدول المنطقة، والاستمرار في تحدي الجانب الأميركي واخيرا الجانب البريطاني.

تغير المناخ
تغير المناخ يعد أحد التهديدات التي تُشكل خطرًا على الأمن الدولي، فهو يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحار، ما يزيد من خطر الفيضانات والسيول والأعاصير، وحرائق الغابات، والانهيارات الأرضية، إلى جانب ما تشهده المناطق الصحراوية من تفاقم مشكلات الجفاف والتصحر والعواصف الرملية.
ومع انسحاب أميركا في يونيو 2017 من اتفاقية باريس للمناخ، التي تهدف إلى”الحد من تغير المناخ والاحترار العالمي”، سيكون من الصعب على العالم التوصل إلى هذه الأهداف، خصوصا مشكلة التمويل، التي تتحمل واشنطن 23في المئة من ميزانيته، فضلا عن أنها مصدر مهم لتقديم التكنولوجيا للدول النامية لدعم جهودها لمكافحة ارتفاع درجات الحرارة، والانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة.
كما أن هناك ارتباطًا بين التغير المناخي والعنف السياسي، فالتراجع في تدفق المياه من الأنهار في منطقة الهلال الخصيب مثلاً، قد يجعل الأمن مهددًا. وهناك إشارات لتفجر صراعات في السنوات المقبلة بين كل من العراق وسورية وتركيا، أو بين العراق وإيران للسبب نفسه؛ ما يجعل تغير المناخ أحد مهددات الأمن العالمي.
الجرائم السيبرانية، تركز على الوسائل المعلوماتية، وخلق الأزمات السياسية لإثارة الرأي العام ضد الدولة، وبث الشائعات للإضرار بالاقتصاد الوطني، وخلق مناخ غير آمن للاستثمار وغيرها، وهو ما عبر عنه الملياردير الأميركي وارن بافيت بقوله:” إن خطر الهجمات السيبرانية على البشرية، أكبر من خطر الأسلحة النووية”. وإلى جانب التحديات الدولية تواجه دول المنطقة تحديات أخرى، نذكر أهمها:

الأزمة القطرية
يمر “مجلس التعاون” الخليجي بمنعطف هو الأخطر منذ تأسيسه عام1981؛ بسبب قيام تحالف ستراتيجي بين قطر وقوى تتدخل في شؤون أشقائها الداخلية؛ مثل تركيا وإيران، وتهدد الأمن والاستقرار فيها، وهو ما قال عنه وزير الداخلية البحريني الشيخ راشد بن عبد الله آل خليفة:” إن التدخلات الإيرانية والقطرية في الشأن البحريني ليست وليدة الساعة، بل هي نهج مستمر ويأتي على صيغ متعددة، فإذا كانت إيران تستهدف الطائفة الشيعية، فإن قطر استهدفت الطائفتين الشيعية والسنية والنسيج المجتمعي كله وعملت على الإضرار بروابط الأسر وإثارة الفتن”.
هذا إلى جانب أنها تعد من أكبر الداعمين سياسيًّا وعسكريًّا وأيديولوجيًّا لعدد من القوى المزعزعة للاستقرار في المنطقة؛ ولهذه الأسباب قطعت كل من البحرين والسعودية والإمارات ومصر علاقاتها معها في 5 يونيو 2017، واشترطت لعودتها تنفيذ اتفاق الرياض لعام 2013/2014؛ باعتبار أن مفهوم الأمن الجماعي الخليجي وحتى العربي معها فقد معناه. وعليه فقد توقفت اجتماعات المجلس ونشاطاته، وتراجعت مكانته، وتضرر اقتصاد أعضائه، وجمدت مشاريع وحدوية مثل الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة وغيرهما، وباتت السياسات الدفاعية مثل قوات “درع الخليج” ونظام الدفاع الصاروخي موضع شك. ومن ثمّ؛ تبقى هذه الأزمة- إذا ما ظلت دون حل- عاملًا يهدد أمن المنطقة، وقد يؤدي إلى انهيار المجلس.

أسعار النفط
تذبذب أسعار النفط الذي تمثل إيراداته المصدر الرئيس لتمويل معظم ميزانيات الدول الخليجية، فبعد أن كانت قد تجاوزت 110 دولارات للبرميل قبل منتصف 2014، تتراوح الأسعار حاليا بين 50 و70 دولارًا، ما تسبب في عجز ميزانيات تلك الدول، والذي استتبع توقف أو تأجيل مشروعات قائمة، أو فرض ضرائب، أو السحب من الأرصدة الخارجية أو الاستدانة، وهو ما يترتب عليه ظهور مخاطر أمنية.
العمالة الأجنبية
تحديات العمالة الأجنبية؛ وفقًا لإحصاءات عام 2018، فإن عدد سكان دول الخليج مجتمعة بلغ 56 مليونًا، في حين أن عدد العمالة الوافدة وصل إلى 28.58 مليون، أي إن نسبة العمالة من إجمالي عدد السكان ناهز 51.04 في المئة، ولهذا فإن الخبراء يرون ان للعمالة الأجنبية تحديات ومخاطر أمنية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية.
سياسيًّا: قد تلجأ بعض الدول للتدخل بحجة حماية حقوق عمالتها، كما قد يصبح من حق العامل إذا قضى فترة زمنية حددها القانون الدولي، الحصول على جنسية البلد التي يعمل فيها، مما قد يحدث خللاً في التركيبة السكانية، الأمر الذي يشكل خطرًا على الأمن الوطني نتيجة تفوق عدد العنصر الأجنبي، الذي له قيم، وعادات، وتقاليد مغايرة للثقافة العربية، ما يسفر عن مشكلات اجتماعية، وثقافية ونفسية عدة لدى النشء الذي يتربى على قيم مضادة لثقافته.
واستنادًا إلى هذا الحجم من التحديات الأمنية، الدولية والإقليمية التي تواجه منطقتنا وفي القلب منها البحرين، التي توصف بأنها مفتاح أمن الخليج، والتي فرضتها عليها ظروف معقدة ومتغيرات إقليمية ومناخ عالمي متوتر، وهو ما يتطلب، للتعاطي معها، وجود منهج علمي مدروس وآليات تنفيذ صارمة، ورجال على قدر عال من الكفاءة والتدريب، وتعاون إقليمي ودولي واسع.
كانت هذه المتطلبات راسخة في ذهن صنّاع القرار في البحرين، منذ الاستقلال عام 1971 وتولي الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة، وزارة الداخلية ومن بعده الشيخ راشد بن عبد الله آل خليفة، وحتى اليوم، واستطاعا بدعم القيادة وثقتها بهما في أن يحولا تلك المتطلبات إلى واقع تجسد في وضع ستراتيجية أمنية تراعي الأمن بمفهومه الشامل؛ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما أهّل المملكة للخروج من خضم هذه التحديات، صلبة قوية، تمتلك القدرة على مواجهة أي تهديدات تحيط بها، وهو ما يتضح من خلال الآتي:
أولاً: مواجهة الإرهاب، حيث تحركت البحرين وفق محورين، الأول داخلي استند على:
1- تطوير المنظومة الأمنية؛ باستخدام ستراتيجية ارتكزت على:
* كوادر مؤهلة تعقد لها الدورات التَّدريبيَّة المتعلقة بحقوق الإنسان والإرهاب والجرائم الإلكترونية، وهو ما زاد من قدرتها الاستباقية.
* استحداث عدد من الأنظمة، ومنها: النظام الجنائي الموحد، وتتبع الدوريات، والكاميرات الأمنية، وتطبيقات إدارة الموارد والواجبات، وهي أحد تطبيقات النظام الجغرافي الأمني الجديد.
* الاهتمام بالأمن المعلوماتيّ وحماية منظوماته كتشغيل نظام منع اختراق الأجهزة الحكوميَّة، وتفعيل أنظمة الجدار الناريّ، والتصدي لمحاولات استهداف الأنظمة الحكومية.
* تجنب مخاطر الهجمات السيبرانية؛ فوفقًا لمؤشر الأمن السيبراني العالمي(GCI-2019) احتلت المملكة المركز 44 عالميًّا، والخامس عربيًّا، فى مجال الأمن السيبرانى من أصل 175 دولة شملها التقرير.
2- تأسيس لجنة حكومية تتولى وضع السياسات الخاصة بحظر تمويل الإرهاب ومكافحة غسل الأموال عام 2001.
3- إصدار القانون رقم 58 لسنة 2006 بشأن حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية، والذي جاء تعريفه للإرهاب متسقًا مع ما في الاتفاقيات الدولية.
4- اتخاذ وزارة الداخلية إجراءات هي نتاج لجهود متواصلة وستراتيجية تعتمد على العمل الاستباقي، وبناء جسور الثقة بين المجتمع وجهاز الشرطة، وإدراك أن البحرين بحاجة إلى مشاركة كل مؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والتنسيق معهم، وتبصرهم بحقائق الأمور؛ ليكونوا سندًا للوزارة في أداء رسالتها، كل ذلك في إطار سياق تشريعي حاكم للمنظومة الأمنية يحترم حقوق الإنسان ويعمل على سيادة مبدأ دولة القانون والتعاون بين الوزارات المختلفة، وهي توجيهات عاهل البلاد الملك حمد بن عيسى يحرص على متابعتها للتحقق من الالتزام بها.
أما المحور الثاني، فخارجي؛ ففي ظلِّ تعاظم التَّهديدات الإرهابية واتّساع دائرة مخاطرها وامتداد تداعياتها، تزداد أهمّيَّة التَّعاون الأمنيّ الخارجيّ، واستنادًا إلى ذلك تعاونت المملكة ممثلة في وزارة الداخلية وقوة دفاع البحرين مع وكالات الشرطة وأجهزة الاستخبارات في العالم، إلى جانب المشاركة في الاجتماعات الإقليميَّة والدّوليّة، بهدف تحسين القدرات والتنسيق الأمني، والإفادة من تجارب وخبرات الدّول الأخرى، وهو ما يمكننا معه القول:إن تدويل وزارة الداخلية البحرينية لأنشطتها الأمنية ساعدها على درء العديد من المخاطر والتهديدات التي تعرضت لها.
وكانت المملكة ولا تزال شريكا ثابتًا على الصعيدين الدولي والإقليمي في مكافحة ظاهرة الإرهاب، فأصدرت التشريعات وصادقت على اتفاقات دولية وإقليمية وثنائية تحاربه وتتصدى له.
وعمليًّا، دعمت جهود محاربة تنظيم “القاعدة”، وشاركت في التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، وأرسلت عام 2008 عددًا من قطعها البحرية إلى خليج عدن تنفيذًا لأربعة قرارات تبناها مجلس الأمن الدولي؛ لمواجهة القرصنة والإرهاب، وكذلك في مهمة دولية مطلع أكتوبر 2009 في إطار جهود مكافحة القرصنة والإرهاب البحري، ودورها بالتعاون مع دول “مجلس التعاون” والقوات الحليفة في محاصرة التنظيمات الإرهابية عام 2014 ضمن الجهد المتعلق بحماية الأمن الإقليمي والسلام الدولي، وإدراجها لعدد من المنظمات على لائحة المنظمات الإرهابية. فضلاً عن الإسهام في المؤتمرات الإقليمية والدولية المخصصة لمكافحة الإرهاب وعمليات تمويله، والمشاركة في تقديم الحلول والمقترحات، ودورها في اجتماعات مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف)؛ بهدف تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، وعضويتها واستضافتها لمقر مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينافاتف)، واستضافتها المؤتمر الدولي لمكافحة تمويل “داعش”.
ثانيًا: مواجهة التحدي الطائفي الإيراني، وقد تعددت مستويات المواجهة؛ بعد أن استغلت إيران التنوع المذهبي الذي تحظى به دول الخليج، ومنها البحرين لتمرير مشروعها لاستعادة مجدها الفارسي بثوب إسلامي وصبغة شيعية، مثيرة النعرات الطائفية، واصطدم مشروعها باكتشافها أنه لا يوجد تمييز بين المواطنين في البحرين بسبب الجنس أو اللون أو الديانة أو المذهب أو العرق، بل وبين مواطنيها ومواطني الدول الأخرى ذوي الديانات والإثنيات الأخرى، فهي وطن للجميع. وكما قال الملك حمد:”إن أغلى ما عندي هو الإنسان”. ولعل انفتاحها وتاريخها الثقافي والأدبي والتعليمي جعل منها أول بلد خليجي يتبنى عقد مؤتمر حوار الحضارات الأول عام 2002، والثاني عام 2014. ويعد مشروع المدارس المنتسبة لليونسكو أحد المشاريع الرائدة التي تتبناها في هذا الصدد منذ العام 2007؛ وتعمل على نشر مبادئ قبول الآخر، والتعايش بمحبة وسلام مع الآخرين، وتنقية الخطاب الديني من الأطروحات الداعية للإقصاء، والعنف، والتطرف.
ولعل وجود كل هذا العدد من الجنسيات التي تنتمي إلى أعراق وعادات وديانات مختلفة ومتنوعة يتعايشون ويتفاعلون ويعملون على أراضيها؛ هو خير دليل على هذا النجاح؛ فهي بلد حاضن للمذاهب والمعتقدات كافة، وقوانينها وأنظمتها تسمح لكل أطياف المجتمع بممارسة شعائرهم الدينية بكل يسر.
ثالثًا: مواجهة تغير وتذبذب السياسة الأميركية والصراعات الدولية. تنتهج المملكة منذ استقلالها عام 1971، سياسة خارجية محددة الأهداف غير منحازة، خادمة للنهوض الوطني، متوجهة إلى تحقيق مصالحها وأمنها والمحافظة على استقلالها وسيادتها، والارتقاء باقتصادها، تتميز بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتؤمن بالحوار وتدعم التعاون بين الدول، كما تحترم الاتفاقيات والعهود الدولية كافة، وتتمسك بقيم التسامح والاعتدال والتعايش السلمي، وترفض في جميع الأحوال الانخراط في سياسة المحاور، وهي مبادئ التزمتها في تحركاتها الخارجية في الدوائر، الخليجية والعربية والإسلامية والدولية، وهو ما نراه واقعًا في علاقاتها بالقوى الدولية الكبرى مثل: الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي لجهة تعزيز وتفعيل مجالات التعاون الأمني والدفاعي والاقتصادي والسياسي مع القوى الدولية، وبخاصة الفاعلة، ولعل هذه المبادئ ساعدتها على التعامل بشكل جيد مع التحديات المختلفة التي تواجهها.
رابعًا: تحدي تغير المناخ وقد تعاملت مع هذه الظاهرة بكل جدية، وذلك باعتبارها إحدى الدول الجزرية المُعرضة لمخاطر التغيرات المناخية المرتبطة بارتفاع منسوب مياه البحر، وارتفاع درجات الحرارة؛ فأنشأت المجلس الأعلى للبيئة، كهيئة معنية بإدارة قضايا التغير المناخي، والتي تتخذ القرارات بشأن برامج رصد ومتابعة آخر التطورات الدولية، وتشكيل مواقف وطنية ووضع مقترحات لاتفاقيات المناخ الدولية، فضلاً عن ضمان التوازن والتكامل بين التزامات تغير المناخ والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للتنمية المستدامة في البحرين. فيما التزمت بالاتفاقات الدولية التي تحد من تغير المناخ والاحترار العالمي والاحتفاظ بدرجات حرارة الأرض والسعي لتقليلها؛ حيث وقعت المملكة على اتفاقية تغير المناخ في عام1992، وصادقت على بروتوكول كيوتو في 2006، كما أنها عضو في اتفاقية باريس للمناخ، والتي وقعتها نحو 195 دولة عام 2015، وعضو في المجموعة العربية التي تمثل 22 من أعضاء جامعة الدول العربية.
خامسًا: تذبذب أسعار النفط؛ اتخذت البحرين إجراءات مكنتها من السيطرة على معدل التضخم الناتج عن هذا التذبذب، حتى تراوح معدله الشهري عام 2018 بين 0.5 و2.7في المئة، ما يعد الأقل خليجيًّا، مما ساعد في تحقيق هدف الاستقرار المالي وتقليص الاقتراض الخارجي، وذلك من خلال تنويعها اقتصادها، والخفض من نسبة إسهام القطاع النفطي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 18.4في المئة في 2018، بينما كانت هذه النسبة 44في المئة في بداية الألفية، فضلاً عن تعزيز دور المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد، واستصدار قوانين جديدة وتيسير قنوات التمويل، والاهتمام بالقطاع المالي والمصرفي، وتعزيز دور القطاع الصناعي، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، والمجتمع المدني.
وبهذا، استطاعت تحقيق التنمية الشاملة المستدامة؛ حيث أمكن للاقتصاد أن يحقق الأهداف التنموية التي حددتها الأمم المتحدة قبل موعدها المحدد في 2015، فغدت خالية من الفقر، وغدا متوسط دخل المواطن السنوي يصل إلى نحو 30 ألف دولار اميركي، ومعدل التضخم ضمن المستويات الأقل عالميًّا.
سادسًا: العمالة الوافدة، انطلاقًا من إيمان البحرين بأن عليها اتخاذ إجراءات احترازية، فقد عملت على عدم تفاقم هذه الأزمة ومجابهة تحدياتها، وذلك بتأهيل الكوادر الوطنية، وإعادة النظر في سياسات استقدام العمالة، وتحديد فترة زمنية محددة لبقائهم في البلد، وأن تكون النظم التعليمية بما يتلاءم واحتياجات سوق العمل، وتبادل الخبرات بين الأجهزة المتخصصة بدول “مجلس التعاون” الخليجي بشأن رفع مستوى مهارة العمالة الوطنية.
واختم بالقول، إن هناك تحديات وتهديدات أخرى لا تسمح بها هذه العجالة والتوسع في الحديث عنها، تتعامل معها المملكة بحرفية ومهنية ووفق ما تقتضيه مصلحتها الوطنية والمعايير السياسية والإنسانية والقانونية؛ نذكر منها انحياز وعدم نزاهة بعض المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الأجنبية، وهو ما سنتطرق للحديث عنه في مقالة آخرى.
كل هذه الخطوات والجهود التي بذلتها البحرين ممثلة في وزارة الداخلية وقوة دفاع البحرين حققت أهدافها؛ فحافظت على أمن الوطن والمواطن وانجازاته ومكتسباته، وهو ما استحق عليها وزيريها السابق والحالي والأجهزة الأمنية المختلفة الإشادة والثناء على الجهود المبذولة.

رئيس مركز الخليج للدراسات الستراتيجية

الميليشيات الارهابية جزء من المشروع الايراني
الاعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط في الخليج زادت توتر الأوضاع
You might also like