ظاهرة تزداد انتشاراً بين الشباب والمتزوجين... والنتائج وخيمة

الحب الإلكتروني… «لايكةٌ» فغرام ففضائح وجرائم ظاهرة تزداد انتشاراً بين الشباب والمتزوجين... والنتائج وخيمة

القاهرة – مروة حمزة:
«أصابع تكتب..عيون تقرأ.. مشاعر خطرة «، هكذا أصبحت العلاقات الافتراضية في عالم الشبكة العنكبوتية، علاقات حب وهمية، خيانات زوجية، مشاعر تأبي أن تظهر للعلن، تبقي في الخفاء وراء شاشة صغيرة.
قلوب، عيون، ورود، وجوه مبتسمة، أخرى ضاحكة، هذه ساخرة، تلك متجهمة، كلها صور اجتمعت تحت تعبير « ايموجي»، يستخدمها «أهل الشات»، للتعبير عن مشاعرهم من دون جهد الكتابة على لوحة المفاتيح.
حول هذه العلاقات، هل تتساوي مع العلاقات الواقعية، هل يستمر الحب الالكتروني، هل يتحول إلى زواج ناجح، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق.

منذ سنوات وتحديدا في عام 2009 أشارت دراسة لموقع « ياهو»، حول مواقع التعارف إلى وجود حوالي 1.6 مليون امرأة و2.1 مليون رجل دخلوا مواقع التعارف في هذا العام، موضحة أن تلك المواقع تجني مكاسب تصل لـ 642 مليون دولار، تحتل العلاقات غير الشرعية في تلك المواقع نسبة 70 بالمئة.
ومما أكدته هذه الدراسة أيضا أن 5 بالمئة من استخدام الشباب العربي لبرامج المحادثة وغرف الشات، تتناول موضوعات فكرية وثقافية، بينما تعتبر 86 بالمئة من هذه الغرف أبواقا للدعارة وهدم أخلاقي وثقافي، بسبب العلاقات الخاصة التي تتم بين أفرادها، أما الـ 9 بالمئة الباقية فتتباين في حواراتها وآليات تناولها من جيد إلى سيء.
وأكدت هذه الدراسة أن نسبة المشاركين تزيد إلى أكثر من 150 بالمئة سنوياً، ما يعني تفاقم هذا الأمر حاليا، وهو ما أكده خبراء في علم الاجتماع والعلاقات الأسرية مشيرين إلى أن العلاقات الجنسية عبر الانترنت، مواقع التواصل، الشات، تشهد انتشار متزايدا في عدد من البلاد العربية، رغم تعارضها مع القيم الدينية، الاجتماعية، الموروثات، التقاليد، مطالبين بضرورة الشفافية في التعامل مع هذه الظاهرة، ووضع حلول اجتماعية واقتصادية لها عبر تسهيل أعباء الزواج أمام الشباب.
علاقات سريعة
لأننا أصبحنا في عصر السرعة في كل شيء وبديهي أن تتأثر العلاقات بنظام الحياة السريع، فالعلاقات التي كانت تنمو على مدار أيام وشهور بل وسنوات، أصبحت بلمسات أصابع تنشأ في دقائق وثوانٍ معدودات، تنتهي أيضاً في لحظات باستخدام الـ « بلوك»، لتنقطع وتنتهي ولا تعود مرة أخرى.
كثير من القصص تدور خلال منتديات الحوار، غرف الشات، صناديق الدردشة، بل أصبحت بعض المواقع تقوم بدور « الخاطبة»، بدون أية محاذير أو ضوابط، اذ تنتهي بعلاقات فاشلة، حتى وان اكتملت في ثوب الزواج الشرعي، لأن كلا الطرفين وقعا في وهم الحب عبر الانترنت.
تقول « سارة»، تعرفت عليه عن طريق « النت»، تطورت العلاقة إلى محادثات تليفونية ثم لقاءات، تطورت بشكل سريع، أصبحنا نلتقي كثيرا، حينما طلبت منه أن يتقدم لأهلي تهرب مني، فاجأني بأنه لن يرتبط بفتاة تعرف عليها عن طريق النت، بعدها اختفي تماماً، عرفت أنني أضعت عامين من عمري هباءً بوهم الحب.
من جانبها تقول «هند»، أحببت شاباً عن طريق النت، كانت العلاقة في البداية مجرد « شات وتعارف»، تطورت لعلاقة حب، لم أستطع الاستغناء عن محادثته يوميا صباحاً ومساء، بمرور الأيام اكتشفت أن الذي يبادلني الحب، متزوج ولديه أطفال، عرفت من هذه العلاقة أن الحب من وراء الشاشة أكذوبة كبيرة، وهم وخداع، فالشخص الذي يتحدث من خلف شاشة، مجهول، لذا فالاستمرار في هذه العلاقات خطأ كبير.
يعترف «كريم»، أنه أقام علاقات كثيرة عبر الانترنت، تعرف على فتيات كثيرات من خلال مواقع التعارف، كما أضاف فتيات لصفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، كان يحدثهن عن طريق الشات، لكنه لم يشعر أنه سيستمر مع أية فتاة منهن، لأنه يرى أن الحب الصادق يأتي بدون نت.
تقول «تقي»، أنها فوجئت، بمحض الصدفة، بحبيبها الذي تعرفت عليه عن طريق الشات، يحب صديقة لها، حينما رأت رقمه ورسائل غرامية على هاتف صديقتها التي لم تكن تعرف أيضا أنه يحب أحد غيرها، وقعت أنا وصديقتي في صدمة، قطعنا علاقتنا به تماماً، من يومها قررنا أن الحب عن طريق النت زيف وخداع، خاصة أنه في كثير من الحالات يبدأ بحب وغرام وينتهي بفضائح وجرائم.
علاقات حقيقية
تقول الدكتورة مني الزيات، خبيرة الطب النفسي، أستاذ التربية، جامعة حلوان: من السهل حاليا الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي والتعارف عبر الانترنت لكونها مجانية ومتاحة بشكل واسع، ما سهل على الشباب من الجنسين الاختلاط من دون أية رقابة أو حدود، لم يقتصر الأمر على الشباب فقط بل يتابعها كل الأعمار. وتبدأ عادة أي علاقة في هذا العالم الافتراضي بالتعارف، ثم تنتقل إلى مرحلة الفضول لمعرفة المزيد من التفاصيل، تتوثق لتصبح صداقة، رغم أنها بدأت وما زالت من خلال الشاشة الصغيرة ولم تخرج عنها، إلى أن تصبح أكثر وضوحاً بتبادل الصور، استخدام الفيديو، التسجيلات الصوتية، قد لا يخرج الموضوع عن الشاشة أيضا من دون مقابلات. وقد تتطور بتبادل أرقام الهواتف، تطول ساعات المحادثات بين الطرفين لتصبح ادماناً، فكل طرف يحتاج أن يعرف المزيد عن الطرف الآخر، ظناً منهما أنه في عالمه الواقعي، لم يقابل ما يناسبه أو يميل اليه.
تضيف: ان تلك العلاقات لا تستمر، وان طالت، لأنها تتيح فرصا كثيرة للغش، الكذب، التلاعب، لأنها بنيت بشكل الكتروني غير حقيقي وغير سوي، فكل طرف يظهر حسناته ويخفي عيوبه، رغم ان كان لكل قاعدة شواذ فهناك شباب يلجأ للتعارف بغرض الزواج وانشاء أسرة، لكن الغالبية العظمي من علاقات الانترنت علاقات غير سوية، غرضها التسلية، يقف خلفها شيء مجهول دائماً، بها تلاعب بالمشاعر باسم التعارف من أجل الارتباط بالزواج، تنتهي بشكل مأسوى، تخرج عن اطار العلاقة الافتراضية لاطار الفضائح ونشر الصور، الفيديوهات، التهديد، الضغط بفضح المستور.
العزلة الاجتماعية
ترجع الدكتورة هبة قطب، استشاري العلاقات الزوجية، سبب الاندفاع حول العلاقات غير الشرعية عبر غرف الدردشة، للاحباط الناتج عن ارتفاع تكاليف الزواج بالنسبة للشباب غير المتزوج، ارتفاع نسبة العنوسة بين الفتيات، أما لجوء المتزوجين لتلك العلاقات الآثمة فترجع للاحباط والكبت الجنسي الناجم عن التقاليد الموروثة، العادات التي تحول من دون تفريغ الطاقة الجنسية لدى المتزوجين، خاصة ان هناك 250 موقعا اباحيا للتعارف، يتم تفعليها على شبكة الانترنت بشكل يومي ويتصفحها الشباب.
علاقات جنسية
من جانبه يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، الجامعة الأميركية، أن سبب لجوء الشباب للتواصل عبر الانترنت واقامة علاقات جنسية للفراغ، يرجع إلى الجلوس لأوقات طويلة من دون عمل أو بذل جهد، ما يجعل الشباب خاصة العاطلين، يبحثون عن شريك لهم عبر الانترنت، من خلال المواقع الاباحية أو مواقع التعارف والشات.لافتا إلى أن في علم النفس حاليا مصطلح «ادمان الشات والمواقع الاباحية»، ما يدل على سوء التكيف الاجتماعي والأخلاقي، لذ أصبح الانترنت، مواقع التواصل، الشات، ملجأ للهروب من المشكلات، عدم مواجهتها بشكل ايجابي، خصوصا أن من يعيش حياته داخل صندوق الدردشة وعالم الشات، غالبا يعيش في وهم، لا يتعامل مع الواقع.
حب خاطئ
تؤكد شرين محمود، الباحثة والاخصائية الاجتماعية، أن الحب عن طريق الانترنت محكوم عليه بالفشل، لأنه حب خاطئ، لا يبني على أسس سليمة، لا يقوم على عاطفة صادقة، فما يعتقده الشباب، الذي يحب عن طريق النت، من وجود توافق الأفكار بينه وبين شريكته عبر النت، ما هو الا زيف وأفكار خاطئة، توهمها كل من الطرفين، في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة.ناصحة بضرورة أن يستغل الشباب الأنترنت في أشياء مفيدة تعود عليهم بالنفع، لأنه بالرغم من تفشي ظاهرة العلاقات، الحب، الارتباط عن طريق الانترنت، الا أن المجتمع يرفض تلك الظاهرة حتى الآن، لأنها ممارسات غير سوية، ليست حياة واقعية، لا تبني علاقة ناجحة ولا معمرة، تنتهي بالفشل.
تتابع: تعد علاقات الشات أشد خطراً على الشباب من المواقع الاباحية، لأنها تبدأ بشكل تدريجي، تنتهي بحالة من ادمان كل طرف للآخر، فيشعر كل منهما بأنه لا يستغني عن الآخر، تبدأ مدة التواصل تزيد، بالتالي تزيد المعصية، لهذا وجب على الأهل نصح أولادهم بضرورة التمسك بالثوابت الدينية والاخلاقية الصحيحة، القيم المستمدة من ديننا، عاداتنا، تقاليدنا. مشيرة إلى أن التربية الدينية والأخلاقية، توعية الشباب والبنات، من قبل الأهل وتنمية « شعور العفة «، أمور غاية في الأهمية، لذا يجب عليهم تسهيل الطريق أمام أولادهم للزواج من من دون تعقيدات في المهور، تكاليف الزواج الباهظة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة، حتى لا يقعوا في خطأ العلاقات خارج الأطر الشرعية المتعارف عليها.
كلكم راع
يوضح الداعية الاسلامي مصطفي حسني، أن الحب الذي يتم عن طريق الانترنت غير حقيقي، كل ما يحدث هو تغير في المشاعر، فمجرد رؤية كلمة حلوة تم ارسالها عن طريق شخص لأخر يجعل الطرف الأخر يشعر بأنه في عالم آخر، يحب أن يستمر فيه، لكن هذا ليس حبا، لأن الحب مرتبط بالعشرة، المسئولية، العطاء، التسامح هذا هو الحب الحقيقي.لافتا إلى أن حب العالم الافتراضي، مجرد وهم، يلجأ اليه الشاب أو الفتاة كنوع من الانجذاب بسبب الحرمان من سماع «كلمة حلوة»، لهذا تتعدد التجارب من هذا النوع لأنه حب غير حقيقي، مجرد انجذاب وخداع وهمي باسم الحب. مطالبا الآباء والأمهات بضرورة تفعيل الحديث النبوي الشريف « كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته «، فالرجل راع على أهل بيته ومسئول عنهم، المرأة راعية على بيت زوجها وولده، هي مسئولة عنهم، فليحاول الآباء احتواء الأبناء بالعقل، النصيحة، الموعظة الحسنة.
وسيلة هدامة
من جانبه، يؤكد الشيخ «أحمد عبد الكريم»، الباحث في جامعة الأزهر، أن الانترنت تكنولوجيا معاصرة، كلنا في حاجة اليها، علينا أن نستغلها استغلالاً نافعاً، فمن يستخدم الانترنت كوسيلة هدامة لتحقيق أغراض دنيئة، عليه ذنب كبير، فكم من بيوت هدمت بسبب خيانات الانترنت والعلاقات الآثمة، كم من فتيات تدمرت حياتهن تحت وطأة الحب والعلاقات غير الشرعية عن طريق النت. مشيرا إلى أن معظم الشباب الذين يقيمون علاقات عبر مواقع الشات، غير جادين في بناء علاقة سوية، لأنهم يأخذونه كوسيلة للتسلية ومضيعة للوقت، بالتالي لا نفع ولا خير من ورائه.