الحرية الإعلامية لا تعني بالضرورة الانفلات

مهى عون

عقدت خلال الأسبوع المنصرم في رحاب المحكمة الدولية الخاصة بلبنان, جلسة خصصت لمقاضاة تلفزيون “الجديد” بشخص نائب رئيس مجلس إدارة المحطة كرمى خياط, على خلفية الاتهام الموجه من المحكمة الى المحطة بتحقير المحكمة الدولية وعرقلة سير العدالة, فيما تغيَّب عن الجلسة المتهم الثاني بالجرم نفسه ممثل صحيفة “الأخبار” اللبنانية إبراهيم الأمين. ومن ضمن الاتهام الموجه من المحكمة الى هاتين الوسيلتين الإعلاميتين, يأتي جرم الكشف عن معلومات تتعلق بالشهود, ما تعتبره المحكمة يعرِّض حياتهم للخطر, ناهيك عن مساهمة هذا النوع من الإعلام في عرقلة سير العدالة.
في هذا السياق قال الناطق باسم المحكمة مارتن يوسف ل¯صحيفة “النهار” اللبنانية, أن :”هدف هذه المرحلة القضائية هي حماية الشهود وليس إسكات الصحافة”. وأضاف:”إن الصحافة اللبنانية تنشر أخباراً سرية عن المحكمة منذ تأسيسها, وبينها جريدة “الأخبار” وتلفزيون “الجديد”, ولم تتحرك المحكمة قضائياً, ما يثبت أن الأمر اليوم مختلف, عندما تعلق الأمر بنشر معلومات تهدد الشهود وهدفها عرقلة سير العدالة.”
ورداً على الاتهامات التي وجهت من وسائل الإعلام في لبنان, ومفادها أن بعضاً من المعلومات تم تسريبه من داخل المحكمة الدولية, ومن العاملين فيها, رد الناطق باسم المحكمة “أن لا احتمال أن يكون أي من تلك المعلومات قد أرسل من داخل المحكمة, وأن تحرُّك المحكمة كان نتيجة اتصال من أحد الشهود بها بعدما شعر بتهديد لحياته نتيجة نشر الأسماء”. ورأى القاضي الناظر في قضايا التحقير أيضاً, أن “عدم رد المحكمة على نشر أسماء شهود سريين مزعومين يمكن أن يشجع على تكرار حدوث تصرفات مماثلة, ويؤدي إلى احتمال أن يفقد الرأي العام الثقة في قدرة المحكمة وتصميمها على حماية شهودها”.
أما بشأن ردة الفعل الإعلامية والشعبية في لبنان على مجريات هذا الحدث, فقد أجمع بعض التعليقات الإيجابية والموضوعية على اعتبار أن بعض الصحافة في لبنان نسي للأسف المسؤولية الأخلاقية في العمل الإعلامي, في اعتماده التفلت غير المنضبط تحت مسمى الحريات العامة, رغم أن المسؤولية الأخلاقية في العمل الصحافي والإعلامي تتخطى مفهوم الحرية المطلق وأهميته.
في الحقيقة لا بد من التسليم بأن مفهوم “حرية التعبير” الذي يخوِّل أي كاتب, أو صحافي, أو إعلامي, اعتناق الرأي الذي يريد والتعبير عنه كما يشاء, يجب أن يلتزم القوانين والضوابط المنصوص عنها في القانون, إلا أن الانقسام العمودي المسيطر على الوضع السياسي في لبنان والحالة الاستثنائية الاستنسابية التي تسود المرافق السياسية كافة, انعكس في النهاية على الإطار الإعلامي الذي تحول نوعا من الدكاكين الفئوية المحصورة والضيقة والعاملة ضمن حدود الوسيلة الدعائية الخاصة لهذا الحزب أو ذاك الزعيم ليس إلا, وهي حالة مَرَضية أصابت هذا الإعلام, ما جعل تطبيق القانون قضية مستعصية وشاقة, ناهيك عن انفلات الإعلام من أي ضوابط أخلاقية ذاتية قد تعود لضمير الوسيلة الإعلامية أو لوجدان الكاتب الصحافي.
يبقى أن هذه الحرية الإعلامية المشوهة والمتمثلة في هذا الانفلات المستفحل في بعض وسائل الإعلام في لبنان, حوَّل الحرية إلى ضحية, وأصبح الكلام المحظور باسم الدعوة إلى العفوية وعدم قهرها يفتح المجال أمام قول ما لا يجب أن يقال, وباسم الحرية الفكرية المطلقة بات البعض يصرح على الشاشات وفي الصحف بأمور قد تساهم في تهديد المنظومة العائلية والدينية والقواعد الاجتماعية التي تخدم انتظام المجتمع. ولما كانت الحاجة في السياسة لتقزيم الآخر وتحجيم دوره ورأيه قائمة, باتت اليوم للأسف هي القاعدة, ولأنه بات من الضروري تحويل المرجع السياسي الراعي لهذه الوسيلة زعيماً مطلقاً, أصبح من الضروري أيضاً إطلاق العنان لمختلف الآراء والتحديات والأقوال التي لا تبني وطناً ولا تقيم مواطناً.
لذلك كله, بات لزاماً التمييز بين ما يسمى “حرية الرأي” و”الحريات العامة” وضرورة الحفاظ على هيكلية الإعلام, وبين الضياع في زواريب الاستنسابيات الحزبية الضيقة الملوِّثة لسمعة الإعلام اللبناني, الذي تميَّزَ منذ نشأته بطابع الحرية المثمنة ضمن الضوابط الخلقية والقانونية الموجبة, ناهيك عن أن هذه الضوابط القانونية هي مبدئياً ملزمة, ومن المفترض أن تحمي المجتمع اللبناني من هذا النوع من التفلت والشعارات التي تستعمل في سياق غير سياقها الصحيح, فالشخصنة والفئوية اللتان يقع الإعلام اللبناني اليوم فيهما من طريق انتهاك حقوق الآخر وحريته ازدادتا, وتنوعت التجاوزات الإعلامية, سواء من الأفراد أو من المؤسسات الرسمية, بعيداً من التقيد بالنصوص الدستورية, وأضحى مجتمعنا اللبناني يعيش جراء ذلك مفارقة مذهلة بين نصوص نظرية راقية ورائعة تتغنى بحقوق الإنسان, وبين واقع إعلامي متردٍّ يتناقض جوهره مع هذه النصوص, بحيث يتم انتهاك كل هذه النصوص والمواثيق المنادية بصيانة حقوق الإنسان وممارسته الحريات بمفهومها الشامل.
ولا بد من الإشارة في هذا المضمار, إلى أن في المجال الإعلامي هناك خيط رفيع بين المحرم والمباح يتم تخطيه تدريجياً في بعض وسائل الإعلام اللبنانية المتفلتة من عقالها والخارجة عن أي رقابة, وقد لا نستغرب في هذا السياق تدخل المراجع القانونية الدولية لإعادتها إلى رشدها وإلى الخط القويم, في غياب القضاء المختص في لبنان أو تكاسله أو استنسابيته, لأنه عندما يكون الإعلام مطواعاً في خدمة مصالح شخصية أو حزبية ضيقة ويندرج ضمن مشاريع سياسية نهائية, فالمباح يبقى مباحاً ولكن فقط ضمن التشبث بالرأي الواحد وتغييب الرأي المخالف, وعندها لا يعود لما يسمى حرية إعلاميةً في قاموس مهنة الإعلام أي اعتبار, والقانون الذي من المفترض أن يكون الإطار الأساسي والراعي لتنظيم الموضوع الإعلامي يصبح مسألة فيها نظر, في ظل تلاشي الملاحقة الجزائية للانحراف والارتكاب.
وإذ نذكر في النهاية بمقولة “في البدء كان الكلمة”, نشير إلى أهمية الكلمة, والكلمة الحرة تحديدا التي تشكل الضمانة والوسيلة الناجعة لحماية حقوق المواطن من تجاوزات أهل السياسة في حال أُحسن استعمالها واستثمرت بشكل صحيح من أجل تأمين العدالة الاجتماعية والاستقرار الأمني, ولكن بشرط ألا تتحول هذه النعمة نقمة إذا بالغنا في إساءة استعمالها وسخرناها لتسعير الخلافات بين أهل البيت الواحد خدمة لمصالح حزبية ضيقة, أو وظفناها في سبيل إتمام مشاريع إقليمية مشبوهة.
كاتبة لبنانية

Print Friendly