الحرية بمفهومها النظري

غنيمة حبيب

يكاد يكون مفهوم الحرية من أصعب المفاهيم الاجتماعية, من حيث تعريفه وتحديده بشكل واضح ودقيق, نتيجة لاختلاف الزاوية التي تنظر منها إلى المفهوم, وقد جاء هذا المفهوم في مجمل الديانات السماوية والكتب المقدسة مقيدا بعدم المساس بالمفهوم الديني والاجتماعي العام, وفي القواعد الشرعية نجد تحديدا لمفهوم الحرية في الإسلام, إذ منح الله تعالى الإنسان الحرية, وجعلها مقيدة بما يرضي الله وما ينفع البشر, فهي محددة بأحكام الشريعة الإسلامية, بما هو حلال وما هو حرام, ومرتبطة بالقاعدة الشرعية “لا ضرر ولا ضرار”.
وقد خلق الله سبحانه الإنسان متصرفا بأمر نفسه, متحملا لعواقب فعله, فبعد أن بين له سبيلي الهدي والضلال, ترك له حرية الاختيار بينهما, ونهاية كل منهما, فمنحه بذلك الحرية المطلقة في الدنيا على أن يتحمل عواقب أفعاله في الآخرة, كما أوحى لعباده باحترام حرية الآخرين في توجهاتهم الدينية من خلال القاعدة الشرعية ” لا إكراه في الدين”.
ونلاحظ بعضا من التباين في الرأي لدى الفلاسفة اليونان في مفهوم الحرية, فسقراط يقدم فهما أخلاقيا للحرية مرتبطا بالمعرفة التي تجعل الإنسان يختار فعل الخير والصواب, لذلك يعد سقراط المعرفة فضيلة. أما أفلاطون فهو يقدم الحرية المدنية بمفهوم طبقي منظم, حيث يلتزم كل فرد في المجتمع بعمله المخصص له في المدنية ولا يتجاوزه, فيما اتفق أرسطو مع أفلاطون في ألا تتحقق الحرية من خلال القوانين إلا في المجتمع المنظم الخاضع للدستور والقانون, لكنه ابتعد عن التقسيم الطبقي للمجتمع, لأنه يرى بأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات.
وفي العصور الوسطى نجد “أوغستين” لا يسلم بأن الحرية هي القدرة على الاختيار بين الخير والشر, لأن الإنسان عندما يختار فعل الشر فهذا دليل نقص في تفكيره, وليس دليلاً على حريته.
وفي الفلسفة الحديثة نجد” جوردانو برونو” يرفض كل أنواع القيود وينكرها, ويرى بأن حرية الإنسان لانهائية, كما الكون الذي يشكل الإنسان جزءا منه. فيما يعتقد” هيغل” بأن الحرية مرتبطة بوجود الدولة, لأن النفس تمر بمراحل في حصولها على الحرية, وهي مرتبطة بتطور العقل, والإنسان كائن مستقل لكن هذه الاستقلالية ليست مطلقة لأنه يعيش مع جماعة تحكم العلاقة بين أفرادها منظومة من الحقوق والواجبات تنظم من قبل الدولة للحد من أنانية الإنسان وإذابته بروح الجماعة.
أما الاتجاه الليبرالي ورغم المطالبة بحقوق الفرد, إلا أنه يؤمن بحقوق الجماعة وحقوق الآخرين, فهو لا يأبه لسلوك الفرد طالما أنه لم يخرج عما يخصه من الحقوق والحريات, لكنه لا يسمح بالتعدي على الآخر.
ويقدم العلمانيون الحرية على أنها قيمة أخلاقية وسلوكية وحضارية, فمفهوم الحرية لا يمنح حق التدخل في شؤون الآخر, ولا يمنح حق السلوك بناء على مصلحة فردية, ولا يمنح حق اختراق حدود المنطق والأخلاق والقيم الإنسانية والمفاهيم العامة الاجتماعية.
ولعلنا نلاحظ مدى التوافق بين ما جاء في الأديان والتوجهات الفكرية, وما اجمع عليه الكثير من الفلاسفة والمنظرين عبر العصور, على ارتباط الحرية بالعقل والتدبر, فهي بمفهومها الديني ومفهومها الوضعي مقيدة, وتستوجب إعمال العقل بعدم التعدي على حقوق الآخرين, فالحرية المطلقة التي يتبناها وينادي بها البعض ما هي سوى فوضى, وعدم تحمل المسؤولية الجماعية, ونزوع نحو المصالح الفردية, وتعد على الحقوق الآخرين, وعدم امتثال للواجبات التي تستوجبها مبادئ الولاء والانتماء للجماعة أو للوطن.
لقد كان الإنسان دائما يسعى إلى الحرية بحثا عن الأمن والسلام والاستقرار, وليس بحثا عن حالة من الفوضى, سواء كان الأمر سياسيا او اجتماعيا او غير ذلك, ولعل ما نراه الآن يثبت لنا بما لا يدع مجالا للشك بأن مفهوم الحرية لدى الكثيرين منا لا يعدو أن يكون بحثا عن المصالح وتهربا من المسئولية الجماعية الملزمة, جهلا أو تجاهلا منهم بأن الحرية مفهوم جماعي, فلست وحدك حرا, والآخر حر أيضا, وعلى كل منكما أن يحترم الآخر ويتعايش معه وفقا لطبيعة الإنسان الباحثة عن التحضر والمدنية.
بعد استعراض مفهوم الحرية في الدين, وتطوره لدى المفكرين والتوجهات الفكرية المختلفة على مدى العصور في هذا المقال من الناحية النظرية, سوف يقدم المقال الثاني الحرية في جانبها التطبيقي وأمثلة من واقعنا الاجتماعي.
* كاتبة كويتية
g.h.karam@hotmail.com