الحكمة أنقذت باريس من هتلر… والجهل دمر سورية

عندما انهزمت فرنسا في الحرب العالمية الثانية، وُضع حاكمها، يومذاك، الجنرال بيتان بين خيارين أحلاهما مر، إما أن يقبل الاستسلام لألمانيا النازية وإما أن تدمر العاصمة باريس، وبعد تردد لأيام عدة اختار ان تكون مدينة مفتوحة مستسلمة حتى لا تتحول من عاصمة النور إلى ركام يغطيه الظلام والبؤس والحزن، وحين زار الزعيم النازي أودولف هتلر باريس المحتلة كان أول مكان قصده قوس النصر.
حينها لم يتبجح الفرنسيون في العام 1940، كما هي حال بعض العرب اليوم، بشعارات الكرامة والارض والعرض والصمود حتى آخر قطرة دم، فيما هم يقاتلون أبناء بلادهم من المكونات الاخرى وليس احتلالا اجنبيا، بل للاسف هناك من استدرج احتلالات أجنبية، كالسوريين ومن كل المكونات، الذين جلبوا الى بلادهم الايراني والروسي و”حزب الله”، و”داعش” و”النصرة” و”القاعدة”، إضافة الى إمعانهم بتدمير مدنهم ووطنهم وتهجير شعبهم، فيما آلاف الابرياء إما ذبحوا على ايدي الجماعات الارهابية، وإما ابتلعتهم مياه البحر الأبيض المتوسط.
اليوم يكثر الحديث عن حلب، أقدم المدن المأهولة على وجه الأرض والتي كانت تعتبر عاصمة سورية التجارية، واكبر مدنها، من دون ان ينظر الذين يقاتلون فيها، أكانوا من النظام أو المعارضة، إلى التدمير الذي لحق بها وآلاف المصانع التي خربت، وعشرات القتلى الذين يسقطون يوميا، فيما لا تزال طبول الشعارات تقرع، وكأن السوري الذي يقاتل في حلب لا تعنيه هذه المدينة، بل لا تعنيه سورية كلها حيث هناك نحو 350 جبهة عسكرية مفتوحة يقاتل على متاريسها ما يزيد عن 600 فصيل مسلح، وقد بلغ عدد القتلى في السنوات الخمس الماضية نحو 500 الف، فضلاً عن 12 مليون مهجر.
كل هذا كان يمكن تفاديه لو كان السوريون، بكل مكوناتهم، احتكموا لصوت العقل، وتعاملوا مع أزماتهم الداخلية بالحوار، ولم يلجأوا إلى السلاح، وتعلموا من الفرنسيين كيف حافظوا على عاصمتهم منارة ثقافية في العالم، رغم الفارق اذ ان الفرنسيين كانوا يومها يواجهون احتلالا أجنبيا، وليس شرائح أخرى من شعبهم كالسوريين، ولم يرهنوا مصيرهم بمواقف سياسية متقلبة وشبه خلبية لدول غربية وعربية، الذين لو اتبعوا موقف الفرنسيين لكانوا وفروا على أنفسهم كل هذه الكوارث التي يواجهونها اليوم.
ألم يكن الأجدى بهم أن يتعلموا من ويلات الحرب اللبنانية التي رغم توقفها منذ نحو ربع قرن لا يزال لبنان دولة فاشلة بسبب تكالب أمراء الحرب على تمزيقه وفقا لمصلحة كل منهم، ما جعل في المحصلة ميليشيا إيران المسماة “حزب الله” تبسط نفوذها على كل مؤسساته؟!
توهمت فصائل سورية مسلحة أن مجرد قول أحد المسؤولين الاميركيين ان نظام الأسد سيسقط خلال شهر أو شهرين أن ذلك أمر محتم، فيما اليوم وبعد نحو ست سنوات على الحرب لا تزال الولايات المتحدة نفسها تعلن أنها لم تجد أي فصيل سوري مسلح معتدل يمكن أن يأخذ مكان نظام دمشق، أوليس هذا كافيا كي يفهم السوريون أن واشنطن وموسكو وطهران جعلت منهم وقودا لحماية مصالحها، فيما الواضح أن نهاية الحرب لا تزال بعيدة؟

أحمد الجارالله